: آخر تحديث

بين وفاءِ الموسيقى والغزلان والفراشات

4
4
4

منذ صِغرها كان يزرع فيها الحماسةَ لتركض في الحقول معه وتستمتع بجمال الطبيعة ومخلوقات الله. علّمها ألا تخاف من الغزلان لأنها غزالةٌ مثلهم، وأن تُصاحب الفراشات ففيها بعضُ روعتهم، وأن تتذوّق الموسيقى لأنها نوتةٌ موسيقيةٌ ساحرة.

كبرت مع الأيام، فبدأ يُدارسها تذوّق الجمال والفطنة والبديهة والمنطق، وروح المرح وفنون الابتسامة. أحبّت كثيراً بذائقتها الأصيلة جمال الخيل والركض بجانبه. بدأ يساعدها على تعلّم ركوب الخيل وعلى بناء علاقةٍ متينةٍ معه، حتى أصبحت مُدمنةً على حصانه الذي أحبّها وكان يعتبرها كصاحبته تماماً.

وفي عيد ميلادها، طارت فرحاً بهديّته الثمينة: خيلٌ عربيٌّ أبيض. شكرته من صميم قلبها وأمطرته بوابلٍ من القُبَل من سعادتها، ثم امتطت خيلها بصحبته، ترافقهما الغزلان والفراشات وموسيقى الربيع. قضوا وقتاً سعيداً ساحراً. كان مشهداً أسال حبر قلمه فكتب فيها بديع الشعر، ممّا زاد سعادتها كثيراً وتاهت به دلالاً أمام الأصدقاء.

ومنذ اليوم التالي لم تظهر لأسابيع. افتقدها كثيراً، وعندما بحث عنها وجدها تلهو بخيلها مع أصدقائها. لمحته حزيناً فسألته: ما بك؟ تركها وانصرف صامتاً، حزيناً، مندهشاً منها، فقد كان يصطحبها كثيراً مع أصدقائه ولا يفهم سبباً لتجاهلها إيّاه.

وبعد شهورٍ من القطيعة، عرفت أن حصانه مريضٌ جداً لذا هو حزينٌ وملازمٌ لخيله ولا يستطيع الذهاب لأيّ مكان ويعاني وحدةً قاتلة. فأرسلت له رسالةً تقول فيها: عافى الله حصانك، أنا ذاهبةٌ في نزهةٍ مع أصدقائي بحصاني إلى المكان الذي أحببناه سوياً، اعتنِ بنفسك.

لم يردّ، بقي ملازماً لحصانه معتنيًا به حتى عافاه الله. امتطاه وابتعد به باتجاه الشمس، حتى طواه الأفق.

وبعد أشهرٍ من رحيله، لاحظت أنه توقّف عن السؤال عنها، فأرسلت له: لماذا لا تسأل عني كعادتك؟ لم تجد رسالتها عنواناً تصل إليه، فعادت إليها. مطّت شفتيها غير عابئة، ثم عادت إلى حصانها فوجدته حزيناً، فقالت له غاضبة: لماذا أنت حزين؟ لا سبب لذلك. أصدقائي قادمون الآن لنلهو ونمرح سوياً. ابتسم وافرح، فقد علّمني "أحد الأشخاص" أن أستمتع بكل لحظةٍ من لحظات حياتي.

وصلها من بعيد صدىً لأغنيةٍ قديمة: "بكرة بيبرم دولابك، بيفلّوا كل أحبابك". امتعضت لأنها لم تفهم معاني كلماتها جيداً، ثم تساءلت: عدد أصدقائي ينقص باستمرار، ترى لماذا؟

لم تجد جواباً، ولم تكترث. جاء صديقان فقط هذه المرة، وانطلقوا سوياً، وعلا صوت الضحكات، لكن موسيقى الربيع غابت عنهم، ولم ترافقهم أيّ غزلان، أو حتى فراشات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.