: آخر تحديث

العلاقة بين الإبداع والحرية

13
15
12
مواضيع ذات صلة

عندما نتحدث عن العلاقة بين الإبداع والحرية فإننا في الواقع نتحدث عن وجهين لعمله واحدة. نتحدث عن خاصية إنسانية تتمركز حول ماهية الإنسان، فالإبداع يمثل للإنسان هدفه الأول والأخير. لذلك تسعى الحرية جاهدة من اجل تحقيق هذا الهدف الذي يضمن للإنسان تحقيق حاجياته وسعادته ورفاهيته، والوصول أيضا بهذا الإنسان إلى حد الكمال النسبي. وحتى يكون الإنسان مبدعاً ينبغي أن تتاح له حرية الإبداع، إذ دون هذه الحرية تظل افكاره محبوسة في عقله ولن تخرج إلى النور. وللحرية دور كبير في تلبية حاجيات الإنسان الأساسية - المادية منها والمعنوية - خاصة في نطاق محيطه الاجتماعي الذي يعيش فيه بغية الحفاظ على وجوده الإنساني، وإشباع حاجاته بكل مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لكن الإبداع له شروط، ومن أهم شروطه هو أن تتنفس الثقافة في مناخ الحرية، ولا تختنق في سجون السلطات المستبدة المحافظة منها والثورية، أو في سجون التعسف الديني، أوفي سجون قمع الأعراف والتقاليد البالية، فكل ذلك يمثل أدوات قتل لروح الإبداع. والإبداع لون من أرقى ألوان القرب من الله، لأنه مصداق لتمثل صفات الله المطلقة في عالم الإنسان النسبي المحدود، ولكن رغم نسبيته ومحدوديته المختزن لملكة التطور والتكامل الذي لا يتوقف عند حد، إلا حد العجز عن بلوغ الكمال المطلق، الذي يختص به المبدع الأول للكون "رب المبدعين" سبحانه وتعالى. هذه الملكة التي أودعها الله في الإنسان عندما نفخ فيه من روحه، بعدما أبدع نحته من طين الأرض، فاستحق سجود الملائكة له، فيما استحقه لملكة الإبداع فيه وخلافته على هذه الأرض. وهذه الملكة لا يسعها أن تنطلق في عالم الإبداع والتجديد إلا إذا  تنفست الحرية.

والحرية التي يحتاجها الإبداع إنما هي حريتان، حرية من الخارج، أي تحرر المثقف من قمع السلطات الثلاث، الحكومية المتسلطة، والدينية المتعصبة، والمجتمعية المتخلفة. وهذا يعني أن الحرية هي حاضنة الإبداع الثقافي، أو قل الإبداع الإنساني، ولذا فالله يحب الحرية لعباده من حيث أنها قاعدة الانطلاق لإبداعات مخلوقاته من البشر الذكور والإناث. وحرية أخرى من الداخل، والحرية من الداخل هي قابلية المثقف على تحرير نفسه من قيود الموروثات والمشهورات والمألوفات، وهذا يحتاج إلى أن يعيش المثقف قلق الإبداع والتجديد، وأن يعيش في العمق روح التمرد، ولا نقصد هنا التمرد الغوغائي، بل التمرد الإيجابي المسؤول والمتحرر من الخوف، والباحث دائما عن الجديد، والمنتزع نفسه من تراكمات الموروث الثقافي المتخلف، ليتمثل خالقه (جلت قدرته وعلا شأنه) في إبداعه، فيحرك فيه روح المطلق في عالم النسبيات في حركة إبداع مطردة، لا تتوقف أبدا ما لم تبلغ المطلق.

وعندما نتكلم عن الحرية، يجب التأكيد على مصطلح الحرية المسؤولة، وإن كانت تمثل قيدا من قيود الحرية، إلا أنها تنبع من الداخل ولا تفرض من الخارج بأدوات القمع الخارجي، سواء قمع السلطة، أو قمع العرف الاجتماعي، أو قمع الدين، ولا نعني هنا الدين بمعناه المطلق في عالم التجريد وعالم الغيب، بل الدين في الفهم والأداء النسبيين للإنسان، الذي صنع من الدين في أغلب الأحيان غير ما أراده الله، فاستبدل الأمن بالرعب، والإبداع بالجمود، والجوهر بالشكل، والوسطية بالتطرف، والإيمان بالغلو، والعقلانية بالخرافية.

العلاقة بين الابداع والحرية علاقة متكاملة ومرتبطة مع بعضها البعض، فلا ابداع بدون حرية، لإن الحرية هي الضمان الوحيد لإبداع حقيقي يقترب من الواقع بمعطياته، وفي ذات الوقت يأخذ في الحسبان الثوابت التي يسير عليها المجتمع ويتمسك بها، فتكون مصدرا لانطلاقته الإبداعية، بالإضافة الى التغيرات الحاصلة من حوله في هذا العالم الواسع. والحياة بدون إبداع هي حياة روتينية مملة وقاتلة للتفكير والمواهب. الحرية هي المنتج للقيم الإبداعية والمميزة في كل حضارة من الحضارات التي قامت على هذه الأرض منذ خلق الله الكون. إذن الابداع مقوم رئيسي من مقومات الحياة، والأمة التي تستظل بعباءة حريتها هي الأمة الواعية لمستقبل ابناءها ومستقبلها، تدافع عن بيضتها وتذود عن حماها، فإن ضاعت حريتها عاشت منكرة مسلوبة الحق لا يشار اليها بإصبع التميز.

 

اقوال في الإبداع والحرية:

  • الحرية هي روح الموقف الأخلاقي، وبدون الحرية لا أخلاق ولا إتقان ولا إبداع ولا واجب. (مصطفى محمود).
  • إن الأشخاص الذين يعتقدون أن كل شيء ممكن هم القادرون على الاكتشاف والابداع. ( ريك برينكمان).
  • سر الإبداع هو أن تعرف كيف تخفى مصادرك. (ألبيرت اينشتاين).
  • لا يهم كيف تستخرج الفكرة، المهم أين ستضعها. (ليندا مور).
  • الإبداع لا وطن له. (أندريه جيد).


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي