يشتري المستهلك سلعة عبر منصة رقمية، ويدفع قيمتها من خلال وسيط، ثم تتولى شركة أخرى توصيلها، وعندما تتأخر الشحنة أو تصل مخالفة للمواصفات، يجد نفسه أمام أطراف متعددة، لكل منها شروطه وقنواته وإجراءاته، وهنا تصبح معرفة المسؤول عن معالجة المشكلة، والوصول إليه، جزءًا من رحلة استرداد الحق!
تعكس هذه التجربة المحتملة تحولا أوسع في الاستهلاك اليومي، إذ اتسعت خيارات الفرد لتشمل المنصات الرقمية، وتطبيقات النقل والتوصيل، والاشتراكات الخدمية المتنوعة، ومع هذا الاتساع، تزداد أهمية وضوح المسؤوليات، وسهولة الاعتراض، وسرعة المعالجة، حتى يواكب نمو السوق تطور مماثل في حماية المتعاملين معها.
وتؤدي الجهات المختصة أدوارا في تنظيم القطاعات وحماية المستفيدين، إلى جانب قنوات لاستقبال البلاغات ومتابعتها، ويستدعي تطوير هذه المنظومة النظر إلى تجربة المستهلك كاملة، خصوصا حين ترتبط المعاملة الواحدة بأكثر من نشاط أو جهة اختصاص، فالمستهلك يحتاج إلى مسار واضح يمتد من تقديم الشكوى حتى معرفة نتيجتها وتنفيذ المعالجة المستحقة.
في تقديري؛ إنشاء هيئة مستقلة لحماية المستهلك يمثل خيارا تنظيميا جديرا بالدراسة، تتحدد قيمته بما يضيفه من صلاحيات وقدرة على معالجة القضايا المشتركة بين القطاعات، ووضع معايير عامة للحماية، ومتابعة فاعلية الاستجابة، ويقتضي نجاح هذا الخيار تحديد علاقته بالجهات القائمة بدقة، وتوزيع المسؤوليات بما يحقق التكامل ويمنع ازدواج الإجراءات.
وتنبع أهمية هذه المرجعية من قدرتها على متابعة المشكلات التي تتكرر عبر خدمات مختلفة، وجمع بياناتها، واقتراح معالجة أسبابها، فتكرار الشكاوى المتعلقة بصعوبة إلغاء الاشتراكات، أو غموض الرسوم، أو تأخر استرداد الأموال، يستحق تقييما يتجاوز كل حالة منفردة، ويبحث في الشروط والممارسات التي تسمح بتكرارها.
ويمنح نشر المؤشرات والتقارير الدورية هذا الدور أثرا قابلا للقياس، ومن المفيد أن تشمل المؤشرات مدة معالجة الشكاوى، ونسبة تنفيذ الحلول، ومدى تكرار المشكلة، ورضا المستهلك عن النتيجة. كما ينبغي قراءة أعداد الشكاوى في ضوء حجم تعاملات كل قطاع، حتى تعكس المقارنة جودة الأداء بصورة أكثر عدلًا ودقة.
وتتجلى الحاجة إلى هذا التكامل في التجارة الإلكترونية وخدمات النقل والتوصيل، حيث تتعدد الأطراف المشاركة في تقديم الخدمة، ويمكن تطوير ضمانات عملية تشمل وضوح الجهة التي يتواصل معها المستهلك، وتحديد مسؤولية كل طرف، وإتاحة متابعة الشكوى، ووضع ضوابط للاسترداد والتعويض تراعي طبيعة الخدمة والالتزامات المرتبطة بها.
ويحتاج تأسيس هذه المرجعية إلى صلاحيات تنظيمية ورقابية واضحة، وقدرة على طلب المعلومات اللازمة لمعالجة الشكاوى، وآليات للتنسيق والتصعيد، ومواعيد معلنة للاستجابة. وتكتمل فاعليتها بقنوات سهلة الاستخدام تمكّن المستهلك من معرفة مسار شكواه، والإجراء المتخذ بشأنها، والخطوة المتاحة له عند تعثر الحل.
إن السوق المتنامية تحتاج إلى حماية تتطور معها.. وكلما أصبحت الحقوق أوضح، والمسؤوليات أكثر تحديدًا، والمعالجة أسرع وأكثر قابلية للتحقق، تعززت الثقة في التعاملات، وتحسنت بيئة المنافسة، وازدادت قدرة المستهلك على الاستفادة من اتساع الخيارات باطمئنان.

