لم يكن حبّنا لهذا الوطن يومًا مناسبةً نستعير لها مشاعرنا، ثم نعيدها إلى خزائن الذاكرة حتى يحين موعدها الآخر.. ولم يكن انتماؤنا إليه طقسًا احتفاليًّا نمارسه في مواسم الفرح، بقدر ما ظلّ عقيدةً تسكننا في الضرّاء قبل السرّاء، ويقينًا نلوذ به كلما حاول الخوف أن يجد له موطئ قدم في تفاصيل حياتنا.. فنحن نشعر بالأمان في هذا الوطن لأننا ننتمي إليه، ونؤمن بأن وراء طمأنينتنا قيادةً جعلت الإنسان غاية التنمية، وأمْنه شرطًا لاستمرارها، وكرامته عنوانًا لوجودها حين يكون منها ولها وبها..!
هكذا نكتشف، مع كل اعتداء آثم تحاول به ميليشيا الحوثي العبث بأمن بلادنا، أن الوطن لا يكبر في الجغرافيا وحدها، وإنما يتسع في أرواحنا كلما ضاقت نوايا أعدائه، وأن هذه اللحمة الوطنية التي نفاخر بها العالم إنها هي وعيٌ جمعيٌّ أدرك منذ زمن أن مصير الوطن ليس شأنًا تتولاه الدولة وحدها، إنه مسؤولية وجدانية يتقاسمها الجميع!
وهكذا .. هناك من يراهن على صاروخٍ يطلقه ليوقظ الخوف فينا، فنستيقظ نحن على خبر اعتراضه لنواصل أحلامنا، وهناك من يرسل مسيّرةً محمّلةً بأوهامه، فلا تبلغ من سمائنا إلا خيبة مرسلها.. بينما نفتح نوافذ الصباح على مدارسنا ومصانعنا ومشاريعنا، ونمضي إلى أعمالنا كأننا نكتب بأحلامنا وتطلّعاتنا والعمل عليها، جوابًا حضاريًّا على أسئلة العدوان.
ذلك أن العصابات التي لا تعرف معنى الدولة، يصعب عليها أن تفهم كيف يتحول الأمن إلى ثقافة حياة، وكيف تصبح الطمأنينة مشروعًا وطنيًّا، وكيف يستطيع شعبٌ أن ينام مطمئنًّا فيما رجال دفاعه الجوي وجنوده المرابطون على الحدود يسهرون ليظلّ للغد موعده، وللأطفال أحلامهم، وللأمهات دعواتهنّ التي لا تخطئ الطريق إلى السماء.
ولعلّ أجمل ما في هذه المشاهد - على الرغم من قبح أعدائنا - أن المواطن السعودي بات شريكًا في صناعة صورة وطنه، ومدافعًا عن منجزاته بوعيه قبل صوته، مؤمنًا بأن كل مشروع ينهض على أرضه هو انتصار آخر للحياة على الخراب، وأن كل نافذة تضاء في مدينة سعودية هي هزيمة جديدة للظلام الذي يحاول الآخرون تصديره إلينا.
أعلم أن لغة الشاعر قد تبدو حالمةً في زمن الصواريخ، وأن القصيدة لا تعترض مسيّرةً ولا تحرس حدودًا، لكنها تستطيع أن تقول ما تعجز عنه الأرقام العسكرية، وأن تشهد على وطنٍ لم تسمح له التهديدات بأن يؤجل مستقبله، ولا للخوف بأن يعيد ترتيب أحلامه.
هكذا أفهم السعودية اليوم.. وطنًا يستمد عظمته من قدرته على مواصلة الحياة والبناء.. وطنًا تتقدم فيه الرؤية على الخطر، ويتسع فيه الغد كلما حاولوا تضييق الحاضر.
وهكذا ننام آمنين.. على الرغم من الأخطار حولنا ، فقط لأن لنا وطنًا يعرف كيف يحرس أحلامنا، وقيادةً تعرف كيف تجعل من تلك الأحلام وطنًا.

