يُعد التقويم، في حياة غالبية المجتمعات، خاصة الحضرية منها، إحدى أقدم الركائز الأساسية في الحضارة الإنسانية. وتعود أقدم الوسائل المستخدمة لقياس الأيام والأسابيع إلى ما قبل 10000 عام، وقد تطورت تقنيات ضبط الوقت التي اعتمدها البابليون والمصريون والرومان القدماء تدريجياً لتصل إلى التقويم الذي نستخدمه اليوم. ومن الضروري هنا، كما ورد في تحقيق لموقع «التاريخ» الانتباه لكلمة «تدريجياً» فهي المفتاح؛ فعملية التحول من رصد أطوار القمر، إلى تقسيم الفصول، وصولاً إلى تحديد السنوات المالية، كانت مسيرة حافلة بالجدل والفوضى على مر القرون. ومع ذلك، لم يتوقف البشر يوماً عن السعي نحو إتقان طرق رصد مرور الزمن. فأقدم تقويم معروف يعود إلى عصور ما قبل التاريخ في أسكتلندا، أي 8000 قبل الميلاد، تم اكتشافه عام 2013، وكان عبارة عن 12 حفرة يُعتقد أنها كانت تحتوي على أعمدة خشبية ترمز إلى أشهر السنة، صُممت لرصد أطوار القمر، ويسبق هذا بناء «ستونهنج» Stonehenge، الشهير، بآلاف السنين.
كما استخدم البابليون، في بلاد الرافدين، قبل 6000 عام، أطوار القمر لتحديد طول السنة، تبدأ مع أول رؤية للهلال. وبذلك بلغ طول السنة 354 يوماً، أي أقصر قليلاً من السنة الشمسية. وللتوفيق بين التقويمين القمري والشمسي، اعتمد البابليون نظاماً يُعرف بـ«الإقحام» (intercalation)، والذي أتاح لهم إضافة شهر إضافي عند الضرورة. كما قسموا كل شهر إلى أسابيع مكونة من سبعة أيام، استناداً إلى الأجرام السماوية السبعة التي تمكنوا من رصدها، وهي الشمس والقمر والكواكب الخمسة الأقرب.
كما كان لدى المصريين القدماء ثلاثة فصول، على غرار العديد من المجتمعات الزراعية القديمة، قاس المصريون القدماء الزمن وفقاً لمواسم الزراعة والحصاد. كان نهر النيل يفيض كل عام في الفترة ما بين شهري مايو وأغسطس، وفقاً للتقويم الحالي، وكان هذا الفيضان السنوي بالغ الأهمية للمجتمع المصري؛ إذ كان يحدد مدى نجاح محاصيل ذلك العام.
أما التقويم الحديث فقد وُضع، جزئياً، على يد يوليوس قيصر في عام 46م، حيث استحدث «التقويم اليولياني» بهدف إصلاح نظام ضبط الوقت الروماني الذي كان يعاني من عيوب كثيرة، حيث كان يُطلق فيه على اليوم الأول من كل شهر اسم «كاليندز» (kalends)، وهو الأصل اللغوي لكلمة «تقويم» (calendar)، والذي كان يحسب فيه طول السنة الشمسية بشكل خاطئ، وكان عرضة للتلاعب بهدف تعزيز النفوذ السياسي، مما أدى إلى مزيد من الأخطاء. ولحل هذه المشكلة، وضع قيصر نظاماً جديداً استند إلى حسابات الفلكي اليوناني سوسيجينيس من الإسكندرية، الذي حدد طول السنة بـ365.25 يوماً. وللتعامل مع هذا الكسر (0.25 يوماً)، أضاف التقويم اليولياني يوماً إضافياً كل أربع سنوات في شهر فبراير، وهو ما يُعرف بـ«السنة الكبيسة». ورغم أن هذا التقويم لم يكن مثالياً تماماً، فإن الكثير مما وضعه قيصر لا يزال مستخدماً حتى يومنا هذا؛ بما في ذلك، بالطبع، اسم الشهر السابع «يوليو» (July)، الذي يحمل اسمه.
ثم جاء التقويم الغريغوري الذي صحّح حسابات قيصر، وعالج فرق الـ11 دقيقة. وبحلول عام 1582م، أصبح هناك خلل في التوافق بين أشهر التقويم وفصول السنة. أثار هذا قلق البابا غريغوري الثالث عشر، الذي لاحظ أن عيد الفصح بدأ يبتعد أكثر فأكثر عن موعد الاعتدال الربيعي، وهو ما شكل مشكلة للكنيسة الكاثوليكية. واستجابةً لذلك، أطلق البابا «التقويم الغريغوري» في الرابع من أكتوبر عام 1582م، حيث تقرر أن يلي ذلك اليوم مباشرةً تاريخ الخامس عشر من أكتوبر، مما أدى إلى تقديم التقويم عشرة أيام. تلت ذلك حالة من الفوضى؛ فقد تبنت الدول الكاثوليكية التقويم المُصلَح، بينما انتظرت العديد من الدول البروتستانتية أكثر من قرن قبل أن تحذو حذوها. أما الإمبراطورية البريطانية، بما في ذلك مستعمراتها في أمريكا، فلم تنتقل إلى التقويم الغريغوري إلا في عام 1752م، في حين لم تعتمد روسيا هذا التقويم الجديد إلا في وقت متأخر جداً، وتحديداً في عام 1918م، عقب الثورة الروسية.
أحمد الصراف

