في توقيت بالغ الحساسية، ومع تصاعد احتمالات تجدّد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، تتحرك المملكة العربية السعودية، بالتنسيق مع تركيا وباكستان ضمن «حلف مكة»، لدعم جهود الوساطة بينهما، وتهيئة الظروف لتسوية سياسية تحول دون اتساع رقعة الأزمة، بما يحفظ أمن الإقليم واستقراره، والحدّ من تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي. ولا شك أن هذا التحرك يجسّد نهج المملكة في إدارة الأزمات، وفق واقعية سياسية، وحسن تقدير المتغيّرات الراهنة، في موازنة دقيقة بين الحكمة في السعي إلى السلام والحزم في حماية المصالح الوطنية.ومن منطلق انتمائي إلى بلادي، أؤكد أن الدبلوماسية السعودية والزيارة التي قام بها وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مع قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن ليس تنازلاً، بل خطوة متقدّمة لمعالجة الخلافات مع إيران، شريطة أن تقوم بأدوارها واحترام سيادة البلدان الجارة، ومعالجة أسباب التوتر من جذورها. ومن هنا، فإن دعم التهدئة من قبل بلدان إسلامية كبيرة لا يعني التغاضي عن الاعتداءات الإيرانية على المملكة ودول الخليج العربية، ولا القبول بمحاولات الهيمنة على بلدان عربية، بل يضع طهران أمام مسؤولية مراجعة سياساتها، والكف عن تهديداتها، وإدراك أن أمنها لا ينفصل عن أمن محيطها. لأن استمرار النهج العدواني لن يفضي إلا إلى تقويض الثقة، وتعميق عزلة إيران، وإضعاف فرص بناء علاقات إقليمية قائمة على حسن الجوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وتتجلى خطورة الأزمة في مضيق هرمز، حيث تمثل حرية الملاحة مصلحة دولية لا يجوز إخضاعها للحسابات السياسية أو استخدامها أداةً للضغط. فتعطيل حركة السفن أو فرض رسوم عليها يهدّد إمدادات الطاقة والتجارة العالمية، ولذلك، فإن إعادة حركة الملاحة إلى طبيعتها وضمان انسيابها بأمان ضرورة لا تحتمل المساومة، وأساس لأي تسوية جادة للأزمة. ولا شك في أن خفض التصعيد لا يكتمل من دون ضمانات تحول دون تكرار الاعتداءات، والتزامات واضحة تحترم سيادة الدول وتصون أمنها. فالتفاهمات التي لا تعالج جذور الأزمة تظل هشّة، والاتفاقات التي لا تسندها أفعال ملموسة لا تؤسّس لسلام مستدام. ومن هذا المنطلق، تمضي المملكة في دعم الحلول السياسية، دون أن تفصل الدبلوماسية عن مقتضيات الأمن والردع، أو تسمح بأن يُفسَّر سعيها إلى السلام على أنه ضعف. بل هو حبل ممدود للسلام في الإقليم. كما أن استمرار سياساتها الراهنة لن يضر بمصالح دول المنطقة وحدها، بل سينعكس على الشعب الإيراني ومستقبله. والطريق إلى علاقات مستقرة يبدأ باحترام السيادة، ووقف الاعتداءات، والتخلي عن سياسات الهيمنة والتدخلات غير المشروعة.والأكيد أن السعودية، التي صدح صوتها في طهران لن تهادن وستظل داعمةً للسلام، متمسكةً بالحوار، ثابتةً على حماية أمنها ومصالحها ومصالح شقيقاتها. اللقاء كان تعبيراً عن قوة الدبلوماسية السعودية ومد يدها للتشاور والتحاور، لكنها لا تساوم على أمنها ومصالحها وحقوق شقيقاتها. وهذه هي المعادلة التي لا تقبل التأويل: السلام هو خيار المملكة، وحماية أمنها وسيادتها حق لا تفريط فيه. عسى أن تفهم طهران الرسالة ما قبل الأخيرة!
الرسالة ما قبل الأخيرة!
مواضيع ذات صلة

