لغزان في الشرق الأوسط يحتاجان إلى تفسير مقنع، ليس في موازين القوى العسكرية وحدها، بل في منطق السياسة الدولية، وفي قدرة الدول الكبرى على فرض إرادتها، وفي جدوى القوانين والمواثيق التي وُضعت لحماية الدول والشعوب من العدوان.
اللغز الأول هو الحوثيون في اليمن.
فمنذ أكثر من أحد عشر عامًا، خاضت السعودية والإمارات وقوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا حربًا ضد جماعة لم تكن، في بداياتها، جيشًا نظاميًا محترفًا، ولا دولة تمتلك طائرات حربية أو أسطولًا بحريًا أو صناعات تسليحية متطورة.
وكان المفترض أن يكون التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي للدول التي حاربتها كافيًا لترجيح هزيمتها خلال وقت قصير.
ومع ذلك، لم تُهزم الجماعة، ولم تُجبر على تسليم سلاحها أو التخلي عن سيطرتها على صنعاء ومناطق واسعة من اليمن. بل استطاعت، مستفيدة من مخزونات الجيش اليمني السابق وخبراته، ومن الدعم الإيراني، تطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة، وتهديد المطارات والمنشآت النفطية والسفن التجارية، ونقل المعركة إلى خارج الحدود اليمنية.
ولم تعد المواجهة معها شأنًا سعوديًا أو إماراتيًا أو يمنيًا وحده. فقد امتد تهديدها إلى باب المندب والبحر الأحمر، فأضر بمصالح مصر وعائدات قناة السويس، وهدد إسرائيل، وأصاب مصالح دول أوروبية وآسيوية تعتمد على حرية الملاحة والتجارة الدولية.
ودخلت الولايات المتحدة وبريطانيا على خط المواجهة العسكرية المباشرة، ونفذت إسرائيل ضربات في اليمن، وأرسلت دول أوروبية سفنًا حربية لحماية الملاحة، دون أن تنجح هذه الجهود في إنهاء قدرة الحوثيين على التهديد بصورة نهائية.
وهنا يبرز السؤال المحير: كيف استطاعت جماعة مسلحة، لا تملك سلاحًا جويًا أو بحريًا تقليديًا يضاهي أسلحة خصومها، أن تفرض على كل هذه الدول كلفة عسكرية واقتصادية متواصلة، وأن تتحول من جماعة كان المطلوب هزيمتها إلى طرف أصبح توقفه عن إطلاق الصواريخ والمسيّرات موضوعًا للمفاوضات والمساومات السياسية؟
قد يقال إن الجبال اليمنية وعرة، وإن الحوثيين يقاتلون في أرض يعرفونها، وإن الحرب الجوية لا تكفي لحسم حرب العصابات، وإن الانقسامات بين خصومهم ساعدتهم على الصمود. وكل ذلك صحيح إلى حد بعيد، ولكنه لا يقدم تفسيرًا كاملًا لهذه المفارقة.
أما اللغز الثاني فهو إيران.
فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، جعلت من تصدير الثورة وبناء شبكات النفوذ المسلح خارج حدودها جزءًا أساسيًا من سياستها الإقليمية، وأنفقت أموالًا طائلة على تطوير الصواريخ والمسيّرات ودعم جماعات مسلحة في لبنان والعراق واليمن وغيرها.
وقد استفادت من تجربتها المريرة في حرب السنوات الثماني مع صدام حسين، فاستخلصت منها درسًا استراتيجيًا بالغ الأهمية: ألا تنتظر وصول الحرب إلى أراضيها ومدنها ومنشآتها، بل أن تنقل جانبًا كبيرًا من مواجهاتها إلى خارج حدودها.
ومن هنا عززت قدراتها الصاروخية، ووسعت شبكات حلفائها المسلحين، لتجعل من أراضي الآخرين ساحات محتملة لصراعاتها مع خصومها، ومن تلك الجماعات خطوط دفاع متقدمة عن أمن نظامها ومصالحه.
ثم دخلت في مواجهات مباشرة وغير مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهددت مصالح دول الخليج وأمنها، بالرغم من أنها تواجه قوى تمتلك تفوقًا هائلًا في الطيران والتكنولوجيا والاستخبارات.
وقد تعرضت إيران لعقوبات قاسية وضربات عسكرية وخسائر اقتصادية كبيرة، ومع ذلك لم تنجح هذه الضغوط في إجبار قيادتها على التخلي عن أدوات التهديد التي تعتمد عليها.
والأغرب أن الدول التي تشعر بأنها مستهدفة بهذا السلوك تجد نفسها مضطرة، بين حين وآخر، إلى طرق أبواب طهران والبحث عن تسويات تمنع اندلاع حرب أوسع.
وها نحن نشهد تحركات دبلوماسية إقليمية تشارك فيها السعودية وتركيا وباكستان، بحثًا عن التهدئة مع إيران، في ظل مخاوف من مواجهة عسكرية جديدة بينها وبين الولايات المتحدة.
وليس غريبًا أن تسعى الدول إلى تجنب الحرب حماية لشعوبها ومصالحها، ولكن الغريب أن يصبح الامتناع عن التهديد، أو مجرد تخفيفه، ورقة تفاوضية قد يطلب صاحبها مقابلًا لها.
وهنا، في اعتقادي، يكمن التفسير المشترك للغزين.
إن الإيرانيين والحوثيين لا يحتاجون إلى هزيمة خصومهم عسكريًا لكي يحققوا بعض أهدافهم السياسية. يكفيهم أن يجعلوا تكلفة استمرار المواجهة معهم أعلى من تكلفة التوصل إلى تسوية.
فدول الخليج لا تستطيع أن تخاطر بسهولة بأمن مدنها ومطاراتها ومنشآتها النفطية ومستقبل اقتصاداتها، والولايات المتحدة تعرف من تجاربها في فيتنام والعراق وأفغانستان أن تدمير الجيوش والمنشآت العسكرية لا يعني بالضرورة فرض الاستسلام أو تحقيق الاستقرار.
وهكذا تنشأ مفارقة عجيبة: الطرف الأقوى يمتلك القدرة على إلحاق دمار هائل بخصمه، ولكنه يخشى نتائج استخدام هذه القدرة، بينما يستطيع الطرف الأضعف أن يهدده بأضرار أقل حجمًا، لكنها مؤلمة ومكلفة، فيجعله أكثر استعدادًا للتفاوض.
وليس معنى ذلك أن الإيرانيين والحوثيين قد انتصروا عسكريًا، أو أن الدول الكبرى عاجزة عن إلحاق خسائر فادحة بهم. ولكن الفارق كبير بين القدرة على التدمير والقدرة على فرض الإرادة السياسية، وبين إضعاف الخصم وإجباره على التخلي عن أهدافه.
غير أن هذا التفسير العسكري والسياسي يقودنا إلى قضية أخرى، ربما تكون أخطر من اللغزين نفسيهما.
هل يمكن أن يتحول العدوان والتهديد وممارسة الإرهاب إلى وسائل مجدية لتحقيق المكاسب السياسية؟
فإذا كان القانون الدولي يمنع العدوان على سيادة الدول واستهداف المدنيين والمنشآت المدنية، فلماذا يبدو تطبيق هذه المبادئ عاجزًا أو انتقائيًا في حالات كثيرة؟ ولماذا يجد من يستخدم الصواريخ والمسيّرات لتهديد جيرانه نفسه، أحيانًا، في موقع الطرف الذي تُطلب موافقته لضمان الأمن والاستقرار؟
إن التفاوض مع الخصوم ليس خطيئة، بل قد يكون ضرورة لا مفر منها. ولكن الفارق كبير بين تفاوض يفضي إلى وقف التهديد بضمانات قابلة للتحقق، وتفاوض يكافئ من يستخدم التهديد وسيلة لانتزاع المكاسب.
وليس مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات انتصارًا لصاحب التهديد، ولا يعني بالضرورة حصوله على تنازلات. ولكن الخطر يبدأ حين يقتنع بأن صواريخه ومسيّراته، لا اعتداله واحترامه لحقوق الآخرين، هي التي منحته الاعتراف والنفوذ والمكاسب.
وهنا يبرز السؤال الأخطر:
ألا تقدم تجربة إيران والحوثيين درسًا بالغ الخطورة لحكومات وجماعات مسلحة أخرى، ملخصه أن تهديد الجيران وتعريض أمنهم ومصالحهم للخطر قد يصبح طريقًا إلى فرض الإرادة على المجتمع الدولي، وانتزاع مكاسب وضمانات يصعب الحصول عليها بالعقلانية والوسطية والسلام؟
وإذا كانت الصواريخ والمسيّرات تستطيع أن تفتح أبواب التفاوض، وتجعل صاحبها طرفًا لا غنى عن التعامل معه، فلماذا تتكلف تلك الحكومات والجماعات عناء احترام القانون الدولي وسيادة الدول وحقوق الجيرة؟
صحيح أن الإيرانيين والحوثيين دفعوا أثمانًا عسكرية واقتصادية باهظة، وأن شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب اليمني، تحملت نتائج مدمرة. ولكن الخطر يكمن في أن تنظر جماعات أخرى إلى المكاسب السياسية المحتملة وتتجاهل تلك الأثمان.
إن أخطر ما في تجربة الإيرانيين والحوثيين ليس صمودهم أمام خصوم يفوقونهم قوة وتسليحًا، بل في الدرس الذي قد تستخلصه منهما حكومات وجماعات مسلحة أخرى، وهو أن التهديد والعدوان، بدلاً من أن يؤديا إلى العزلة والهزيمة، قد يصبحان طريقًا إلى الاعتراف والنفوذ وانتزاع المكاسب.
وإذا ترسخت هذه القناعة، فلن تكون المشكلة في إيران واحدة أو جماعة حوثية واحدة، بل في ظهور (إيرانات) جديدة و(حوثيين) جدد، يعتقدون بأن الطريق الأقصر إلى طاولة المفاوضات لا يمر عبر السلام واحترام سيادة الدول، بل عبر الصواريخ والمسيّرات وتهديد الجيران.
وعندئذ لن يكون السؤال لماذا عجز العالم عن هزيمة إيران والحوثيين، بل لماذا سمح بأن يصبح التهديد وسيلة مجدية لتحقيق أهداف قد لا تتحقق بالجنوح إلى العقلانية واحترام القوانين الدولية، والحوار بالتي هي أحسن؟


