متابعتي لقرار مجلس الوزراء الأخير القاضي بأن تتولى وزارة المالية إطفاء (100 بالمئة) من المبالغ الإضافية والغرامات التأخيرية المترتبة على الجامعات والكليات والمعاهد الأهلية، أثارت في نفسي، كما لدى الكثيرين، علامات استفهام حادة حول طريقة إدارة المال العام وأولويات الإنفاق الحكومي في هذه الظروف الصعبة. أرى أن هذا القرار يعكس خللًا واضحًا في تحديد الأولويات، وأود أن أطرح موقفي منه عبر النقاط التالية:
أولاً: انحراف الأولويات والدعم العكسي: في الوقت الذي نعاني فيه جميعًا من تآكل قدرتنا الشرائية وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وتبرر فيه الحكومة إجراءاتها التقشفية بقلة الموارد، نراها تتساهل في تحصيل ديون مستحقة على مؤسسات تعليمية استثمارية تحقق أرباحًا طائلة! من وجهة نظري، هذا التصرف هو نوع من "الدعم العكسي"، إذ تهدر أموال الخزينة العامة، التي جاءت من أموال الشعب وقوت المواطن البسيط، لتخفيف الأعباء عن أصحاب رؤوس الأموال والاستثمارات الخاصة.
ثانياً: تضارب المصالح وغياب العدالة: لا يمكن لأي متابع أن يعزل هذا القرار عن الشبهات والتساؤلات الشعبية حول هوية مالكي أو الشركاء في هذه المؤسسات الأهلية. عندما تتداخل المصلحة الاستثمارية مع القرار السياسي، يصبح التغاضي عن تحصيل ديون الدولة موضع شبهة تضارب مصالح صريح، ويضرب مبدأ الشفافية والعدالة المالية التي يفترض أن تحمي حقوق الشعب.
ثالثاً: الجامعات الحكومية هي الأحق بالمطلق: لو كانت هناك أموال يمكن التنازل عنها أو التهاون في تحصيلها، فالأولى والأجدر أن تستثمر وتوضع تحت تصرف الجامعات الحكومية الرسمية، حيث تعد الجامعات الحكومية هي الملاذ الأساسي لأبناء الفقراء والطبقة الوسطى المجهدة، ودعمها يعني مباشرة عدم زيادة الأعباء على الطلاب وعوائلهم، فضلًا عن مواجهة البنية التحتية المتداعية، حيث تشهد معظم كلياتنا ومراكزنا البحثية الحكومية حاجة ماسة لهذه الأموال لتطوير القاعات والمختبرات ورفع الطاقة الاستيعابية، ليصبح تحصيل الديون وتوجيهها لدعم التعليم الحكومي استثمارًا حقيقيًا في أجيال الوطن ودعمًا مباشرًا للشعب وليس إنقاذًا لشركات استثمارية خاصة.
أعتقد أن العدالة الاجتماعية والاقتصادية تتجسد في قرارات الحكومة اليومية وليس في الشعارات. تحصيل الديون المستحقة للدولة بالكامل وتوجيهها لدعم المؤسسات التعليمية الحكومية هو المحك الحقيقي لخدمة هذا الشعب والحفاظ على المال العام.


