: آخر تحديث

متلازمة النجاح والفشل

9
6
6

منذ بدء الخليقة والإنسان يبحث ويتوق للتميز والتصدر في حياته الخاصة والعامة، تلك هي طبيعة وفطرة البشر التي صاغت وشكلت فكرهم ووعيهم، فأحلامهم مرهونة برسم التحقق وأمنياتهم معلقة في سماء الأمل وصدورهم تعشق نياشين الصدارة. الكل يبحث عن طريق النجاح، لا أحد يُريد أن يسلك طريقاً آخر. أما الفشل، فهو على النقيض تماماً، يقبع في الضفة الأخرى، تلك الصحراء الجرداء التي لا تنبت غير الشوك والمرارة والخيبة. الفشل، هو «الأستاذ» الذي يُعلمنا كيف ننجح! نعم، تلك هي الحقيقة المرة التي لا يُريد أحد الإيمان بها، فضلاً عن تصديقها. الفشل، هو خير من يقوم بتلك المهمة الصعبة التي تتطلب قدراً مناسباً من المعرفة والرغبة والقدرة والصبر والاستمرارية وهي صفات وملكات يجب أن يتحلى بها كل من أيقن أن الفشل ليس إلا محطة، أو عدة محطات، في طريق النجاح والانتصار.

والنجاح والفشل، حقيقتان تُعبران بصدق وشفافية عن واقع الحياة الطبيعية التي نعيشها كأفراد وجماعات، ومكونات ومجتمعات، وشعوب وأمم، لأنهما يُمثلان التجربة الإنسانية والحضارية التي استطاعت التكيف والتوافق بين ضفتي النجاح والفشل للوصول إلى غاياتها وأهدافها. وقد عرّف ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الشهير النجاح والفشل بتعريف غاية في الذكاء والحكمة حينما قال إن: «النجاح هو القدرة على الانتقال من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماستك».

وتُعتبر قصص النجاح أو الفشل، قديماً وحديثاً، من أكثر العناوين والمواضيع جذباً وشغفاً لدى القراء والدارسين، فهي من أهم مصادر ونماذج التدبر والإلهام. أمامي الكثير من القصص والأحداث التي تستحق أن تُكتب لتقرأها الأجيال المختلفة التي تحتاج للإلهام والقدوة. ثلاث قصص أوردها باختصار لتنسج خيوط الأمل لكل من يسقط في بئر الفشل:

كان جوزيف الابن الأكبر بين ستة أطفال لأب يعمل خياطاً بسيطاً، وأمه ابنة مزارع فقير تُوفيت وهو في الخامسة، وقضى سنواته الأولى مع جده لتخفيف الأعباء عن عائلته المعدمة، وتبنته خالته التي لم تنجب أطفالاً بعد أن تزوج أبوه أخرى، واضطر لترك المدرسة لإصابته بمرض السل الرئوي، ولكنه أصبح بعد تلك الحياة القاسية أحد أعظم المفكرين والكيميائيين على مر العصور، إنه المفكر والكيميائي الإنجليزي الشهير جوزيف بريستلي أحد أهم العلماء التجريبيين المؤثرين في القرن الثامن عشر، وصاحب الإسهامات العظيمة في حقول العلوم والتربية والفلسفة والتاريخ.

شاب هائم على وجهه في شوارع أوروبا يعاني الفقر والجوع والتشرد، يلتقط العُلب والزجاجات الفارغة الملقاة على الطرقات ليبيعها للحصول على بعض المال، لكنه بعد سنوات من تلك الحياة البائسة أصبح أحد أهم وأغلى الكتّاب في العصر الحديث، إنه الروائي والصحافي الشهير غارسيا ماركيز أحد أشهر الروائيين العالميين والحاصل على نوبل في الأدب.

لم يستطع جورج أن يُثبت موهبته في الكتابة إلا بعد أن قضى نصف عمره تقريباً، حيث رفضت كل أعماله الروائية وتعرض للسخرية من قبل النقاد، ولكنه استطاع بصبره وإيمانه بموهبته أن يحقق حلمه ويصبح أحد أعظم الكتاب في التاريخ، إنه جورج برنارد شو الذي يُعتبر مدرسة مستقلة وملهمة في الأدب العالمي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد