يطلّ شهر رمضان المبارك في كل عام، ليحيي في القلوب والأرواح قيم العطاء في وطنٍ جعل من الهدي النبوي "خير الناس أنفعهم للناس" نبراسًا لتكريس العطاء كقيمة وطنية وجينية أصيلة لا عابرة، وممارسة عملية جَمعية تترسّخ جذورها بمرور الوقت أكثر فأكثر في بواطن الأرض، فتزداد صلابة وتشتد عودًا، وتتسع مظلتها ويمتد أثرها ليبعث الأمل في النفوس، ويعيد التذكير من جديد بركائز هذه البلاد -أعزّها الله-، حيث الإنسان وكرامته سنام رسالتها، وأن البنيان المرصوص لأبنائها درع أمانها، وبأن العطاء نهج قيادتها الذي لا يتزعزع.
أمام ذلك؛ تتوالى في الشهر الفضيل لوحات العطاء ومبادراته بدون توقف، مبادرات؛ تتجلّى فيها صور التكافل الاجتماعي بأبهى معانيها، وتتوحد فيه الجهود الرسمية والشعبية وحتى المؤسسية بإلهام من قيادتنا الحكيمة لتخلق نموذجًا باهيًا من التكاتف والتعاضد وصناعة الأثر في حياة الناس، وخلق البهجة في النفوس بإزاحة غبار اليأس، والتربيت على الأكتاف لانتزاع الأوجاع، وإحياء الآمال بتفريج الكرب، والأهم من ذلك التذكير دوماً بأن فلسفة المجتمع الواحد التي تتكئ عليها ثقافة بلادنا هي طوق النجاة الذي يسعف المحتاجين ويسند غير المقتدرين وينتشل الأقدام من وحل المعوزة وصعاب الرحلة، وأن الخير باقٍ فيها ما شرقت الشمس وغربت.
لقد أرست المملكة بفضل رعاية وتحفيز القيادة الحكيمة للعمل الخيري والتطوعي وما أثمره من مصفوفة غير محدودة من المبادرات النوعية التي تستهدف رفع جودة الحياة، دعائم منظومة عمل مؤسسي مكتملة الأركان قوامها المشاركة والحوكمة والشفافية والرقابة والاستدامة وصولًا إلى ما يلامس حياة الناس مباشرة، وبما يكفل بثّ الطمأنينة لدى المشاركين أفرادًا وجماعات ومؤسسات، وبما يجنّب الأنشطة العشوائية وحالات الانفالات التي تختبئ وراء واجهة "عمل الخير" وما يمكن أن يتمخض عنها من ذهاب التبرعات وثمار الخير لغير مقاصدها.
وأبعد من ذلك؛ فإن جهود "مأسسة وحوكمة" العمل الخيري لم تتوانَ عن الاستعانة بحلول التقنية لبلورة نموذج مُحكم وآمن وموثوق لخدمة أعمال الخير، يسهم في تحفيز روح التكافل الاجتماعي إلى أقصى مدى، ولنا في منصة "إحسان" الرقمية مثالًا بارزًا على هذا النموذج الذي تنضوي تحت مظلته الحملة الوطنية للعمل الخيري التي تطلق سنويًا في شهر رمضان، وتتصدّر مشاهد العمل الخيري بفضل ما تستقطبه بإجراءاتها الميسرة وآلية عملها التفاعلية المرنة، من تفاعلات الملايين من الأفراد والمؤسسات على امتداد مدن المملكة ومناطقها للإسهام في ترجمة غايات الحملة بدعم الأسر المحتاجة ماديًا وتعليميًا وصحيًا واقتصاديًا، وأسريًا كذلك عبر خدمة "فرجت" التي تتكفل سنويًا بسداد الديون عن مئات الموقوفين على ذمم قضايا مالية لتعيد إلى الأسر أمانها واستقرارها وتدشن أمام من تعثّروا بداية جديدة لحياتهم.
وعلى ضفاف العمل الخيري "الرقمي"، تبرز منصة "جود الإسكان" بآفاقها التكافلية والتشاركية النموذجية والتي نجحت منذ إطلاقها في بث السكينة والطمأنينة وتوفير الحياة المستقرة لآلاف الأسر المحتاجة للسكن الكريم، عبر جهود مجتمعية وحكومية وحّدها إلتزامها بمسؤوليتها المجتمعية.
بيد أن مشاهد العطاء غير المنقطعة هذه، لا تكتمل دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي تضطلع به شركاتنا الوطنية والتي أولت مفهوم "المسؤولية المجتمعية" اهتماما ملحوظًا ضمن أجنداتها الاستراتيجية، وانتقلت به من مجرد نشاط خيري واجب الأداء إلى اعتباره التزامًا تنمويًا مستداما يؤهلها لتكون شريكًا فاعلًا في صناعة الأثر، ما يعكس وعيًا متقدمًا لدى قطاع الأعمال في المملكة، جوهره بأن نجاح الشركات لا يقاس فقط بنمو مؤشراتها المالية، بل بمدى إسهاماتها في خدمة المجتمع، ومشاركتها في تحقيق المستهدفات التنموية الشاملة كما عبّرت عنها رؤية السعودية 2030 التي أولت القطاع غير الربحي والعمل التطوعي جانبًا رئيسًا من مساراتها.
إن حالة صخب الخير المحبب الذي يتردد صداه في فضاء المملكة بإيقاع منظم، تقف ورائها قيادة تُلهم ومجتمع يستجيب، لتؤكد أن العطاء نهج وطن بأكمله، وثقافة مجتمع تتغلغل مفرداتها في سلوكياتهم ومعتقداتهم وممارساتهم اليومية، وتقتات على عزائمهم التي لا ينضب وقودها، وبأن التكافل الاجتماعي والتراحم والتلاحم ليس خيارًا بل هوية راسخة، وبأن الإحسان رسالة تتناقلها الأجيال جيلًا وراء جيل في وطن يؤمن بأن العطاء وحده من يصنع الحياة.

