الهاشمي نويرة
نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة النطاق ضد فنزويلا، وأسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما إلى أمريكا قبل عرضهما، الاثنين الماضي، أمام القضاء، ويعتبر هذا التدخل العسكري الأمريكي الأكثر مباشرة في أمريكا اللاتينية منذ غزو بنما عام 1989، واعتقال رئيسها حينئذ مانويل نورييغا.
وقد لا يحتاج الأمر إلى الكثير من التدقيق للتدليل على أن هذه العملية العسكرية هي استعراض للقوة خارج نطاق الشرعية الدولية، وفي تضارب تام مع مقتضيات القانون الدولي.
ورغم هذه البداهة، فإن بعض دول الغرب الليبرالي حاولت تبرير الخروج الأمريكي عن الشرعية الدولية باعتبار أن وجود الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الرئاسة مطعون فيه، وينظر إلى مادورو على نطاق واسع في الغرب على أنه دكتاتور يقود حكومة سلطوية، وقامت بتزوير الانتخابات، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وموصومة بالفساد.
وتتغافل دول الغرب الليبرالي عن كون تعديل الأوتار والسياسات وتغيير الحكام هي مهام ملقاة بالأساس على عاتق شعوب الدول المعنية، وهي صاحبة القرار والسيادة في هذا الشأن، وأن أي تدخل أجنبي محظور من منظور القانون الدولي.
وقد لا تكون العملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا سابقة في حد ذاتها، إذ سبق الإدارة الحالية بوش الأب في بنما، وبوش الابن في العراق، وهي كلها تدخلات تمت خارج نطاق الشرعية الدولية، ولم تقتصر كذلك هذه العمليات على الولايات المتحدة، فقد مارستها دول أخرى ضد دول أخرى دون تفويض أممي، ولكنه بالإمكان الجزم بأن العملية العسكرية في فنزويلا تعتبر حدثاً مفصلياً في تاريخ العلاقات الدولية، لأنها تمهد، بحسب الخطاب الأمريكي الجديد، إلى توسيع نطاق مثل هذه العمليات، بما قد يجيز القول إن ما بعد عملية فنزويلا ليس كما قبله، وإن شرخاً كبيراً بدأ يقوض أركان القانون الدولي، إذ يبدو من الواضح أن الهدف الفعلي الأمريكي من تنفيذ عملية فنزويلا يتجاوز مجرد الحرب على المخدرات، وهو مرتبط بالسيطرة على المقدرات النفطية الهائلة لفنزويلا، في إطار إحكام الضغط على النظام الصيني، الذي يستنفد 85 في المائة من صادرات النفط الفنزويلية، فإن إدارة ترامب لا تخفي مثل هذه المطامع، وعبرت عنها بالوضوح التام في وثيقة الأمن الاستراتيجي بخصوص أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، والتي نصت على ضرورة محاربة المخدرات ومنع المنافسين الاستراتيجيين من التمكن من بعض دول المنطقة في إشارة إلى روسيا والصين تحديداً.
ولا تخفي واشنطن والحالة هذه إمكانية أن تكون عملية فنزويلا بداية حرب طويلة الأمد من أجل السيطرة على دول عدة في المنطقة بدءاً بكوبا، ووصولاً إلى جزيرة غرينلاند الدنماركية.
ويذكر أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلنت في ديسمبر الماضي عن العودة إلى «مبدأ مونرو» في استراتيجية الأمن القومي الجديدة، ومحتوى هذا المبدأ أن منطقة أمريكا الشمالية والجنوبية تعد مجالاً حيوياً خاصاً بالولايات المتحدة، وأن أي تدخل أوروبي في شؤون دول أمريكا اللاتينية يعتبر عملاً عدائياً ضدها.
وتثير هذه التطورات مخاوف عدة لدى الدول المستهدفة، وكذلك لدى دول الاتحاد الأوروبي، التي تقف عاجزة بالكامل أمام الضربات الموجعة، التي وجهها ترامب إلى منظومة القانون الدولي.
وتكبر القناعة كل يوم بأن دول أوروبا، التي جعلت من خطاب القيم الديمقراطية والقواعد السلوكية المشتركة نقطة قوتها، تقف اليوم لتجني ثمار تناقضات خطابها المفعم بالمثالية مع ممارساتها، التي طغت عليها سياسة تعدد المكاييل رغم كل المحاولات اليائسة والبائسة لإكساب ممارساتها ومواقفها الطابع المبدئي.
ولأن الدول الأوروبية أغفلت المسألة المبدئية في العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، فإن موقفها سيضعف بلا شك في مواجهة روسيا اليوم، التي تطالب بأراضٍ أوكرانية، وهي ستقف بلا شك عاجزة غداً أمام المارد الصيني، الذي يسعى لاسترجاع تايوان، وهي بلا أدنى التباس لن تحرك ساكناً متى قررت الولايات المتحدة ضم غرينلاند الدنماركية.
إن العالم يمر إلى السرعة القصوى في استعمال القوة لنيل الحقوق، وإن مصير دول العالم وشعوبها قد يفتك به توافق الإمبراطوريات، وإن كان لحين حصول حالة وعي جماعي تكون لبنة في بناء صرح جديد عادل للعلاقات الدولية.

