يحتل النفط المرتبة الأولى بين السلع الاقتصادية في التجارة العالمية. ومن المعروف أيضاً أن النفط والسياسة توأمان متلاصقان في السياسات العامة؛ المحلية والإقليمية.
وواضح أن أخبار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال عام 2025، احتلت أوسع تغطية يومية على صعيد الإعلام؛ الأميركي والعالمي، فشملت تغطياته أميركياً علاقاتِه بالحزبين الجمهوري والديمقراطي، والسياساتِ مع الولايات الفيدرالية، وتبنّيه سياسة تشجيع الإنتاج النفطي على حساب الطاقات المستدامة، وعلاقته بـ«قضية أبستين»، وعالمياً الدورَ الأميركي في مساندة هذا الطرف أو ذاك في الصراعات الدولية، ومحاولاته تغيير الرسوم الجمركية مع مختلف دول العالم، خصوصاً الصين، ناهيك بتصوراته في بداية عهده لعلاقات واشنطن بكل من كندا والمكسيك.
يشكل عامُ 2025 عامَ بروز ترمب وسياساته على صعيدَي السياسة والاقتصاد الدوليين. وهذا يعني، بدوره، أيضاً على الصعيد النفطي، وخير مثال على ذلك، تفرده عالمياً، بصفته رئيس دولة كبرى، في تطوير القطاع النفطي وتهميش الطاقات المستدامة، بعد عقد من اتفاقية الأمم المتحدة في باريس لمكافحة التغير المناخي. وقد برزت هذه السياسة في أولوياته الطاقوية بالولايات المتحدة، وفي إهماله المقصود مشاركة الولايات المتحدة في مؤتمر الأمم المتحدة «كوب» بالبرازيل قبل أشهر قليلة، ومن ثم إفراغ قرارات المؤتمر هذا من معناها الحقيقي.
ولعب ترمب دوراً رئيساً وعلنياً في مساندة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في حرب غزة وسياسة الإبادة فيها. واستغل نتنياهو سياسات ترمب الإقليمية لتنفيذ «سياسات زئيف جابوتنسكي» في أوائل القرن العشرين، التي بلورت أفكار اليمين الإسرائيلي؛ حزب «الليكود»، للتوسع شرق أوسطياً. ومن هذه السياسات محاولات نتنياهو تحويل الدول العربية إلى «شرق أوسط جديد» تحت احتلالات إسرائيلية جديدة أو تحت نفوذ تل أبيب.
ورغم اقتراح ترمب وقف إطلاق النار في غزة، فإنه من غير الواضح، حتى الآن، مصير اتفاق غزة... فهل ستعود غزة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، أم ستؤول إلى حكم «إداري» غير معروفة حتى الآن أهدافه تحت إشراف «قوات دولية»، أم ماذا، ومتى؟ وماذا سيحدث بغاز حقل «غزة مارين» في بحر غزة، الذي اكتشفته سلطات منظمة التحرير الفلسطينية ولم تسمح إسرائيل حتى الآن بتطويره، رغم مرور أكثر من عقدين من الزمن على اكتشافه؟
كما يبرز عدم تمكن الرئيس ترمب من إنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو ما وعد به منذ اليوم الأول لحكمه قبل سنة.
لقد أدت هاتان الحربان، بالإضافة إلى قصف الطيران الأميركي ناقلات نفط فنزويلية في المياه الدولية، وضرب رصيفٍ بحريٍ فنزويليٍ للناقلات بحجة تهريب المخدرات منه، والأحداث الأخيرة فيها، والضربات العسكرية الأميركية ضد أهداف «داعش» في نيجيريا... إلى تخوف الأسواق من تأثير الاضطرابات المحتملة على الإمدادات، ومن ثم ارتفاع أسعار النفط، رغم المحاولات الأميركية المستمرة لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية.
لقد استطاع ترمب خلال عام 2025 إجراء تغييرات شمولية وواسعة في السياسة الخارجية الأميركية، منها الضغط لتغيير الرسوم الجمركية مع مختلف دول العالم. وقد أثرت هذه المعركة الجمركية ليس فقط على معايير الرسوم بين الولايات المتحدة وهذه الدولة أو تلك، بل أيضاً على الأسعار النهائية لبعض السلع ذات العلاقة الماسة بالمواصلات والنقل والكهرباء، فزادت الرسوم الجمركية من شدة المنافسة التجارية العالمية بين الولايات المتحدة والصين؛ إذ أخذت الصين تركز أكثر فأكثر على صناعات الطاقات المستدامة، وفاقت بتركيزها هذا إنتاج واستهلاك غالبية السلع للطاقات المستدامة، مثل تصنيع نحو 60 في المائة من السيارات الهجينة في العالم.
ومن المتغيرات الكبرى في سياسة ترمب، الضغوط التي وضعها على أقطار «الاتحاد الأوروبي»، خصوصاً بشأن إمكانية استمرار مشاركة واشنطن دولَ «الاتحاد الأوروبي» الدفاعَ عن أوكرانيا.
ويكمن التغيير الأهم في التخوف الأوروبي المتنامي من إمكانية غزوٍ روسيٍ مستقبليٍ لبعض الأقطار الأوروبية المجاورة لروسيا، واحتمال أن تدافع أوروبا بنفسها عن أراضيها دون المساعدة الأميركية المعتادة تحت مظلة «الناتو» لصدّ هذا الهجوم الروسي المحتمل. هذا التخوف الأوروبي المتصاعد بدأ يحوّل جزءاً أكبر من موازنات بعض الدول الأوروبية نحو التصنيع والتدريب العسكري، أكثر من أي سنة أخرى بعد الحرب العالمية الثانية. ونشاهد هذا التحول حتى في بعض الدول غير الحدودية مع روسيا، مثل السويد، ناهيك بتلك الحدودية مع روسيا، مثل فنلندا، حيث زيادة الإنتاج العسكري.
لقد ازداد التخوف الأوروبي هذا في الوقت نفسه لإعادة انبعاث قوى اليمين الأوروبي؛ مما أخذ يؤدي بدوره إلى مزيد من مخاوف احتمال نشوب مناوشات مستقبلية.
وبشأن دول العالم الثالث، فقد قلّصت واشنطن إلى حد كبير مساعداتِها الاقتصادية لدول العالم الثالث والتزاماتِها المالية السنوية تجاه منظمات الأمم المتحدة خلال عام 2025، والأهم من ذلك تقليص مجمل مساعداتها عبر منظمات الأمم المتحدة للمساعدة والتنمية. وقد عدَلت واشنطن جزئياً عن قرارها هذا مؤخراً بتزويد منظمات الأمم المتحدة التنموية ملياري دولار سنوياً، بدلاً من 17 مليار دولار سنوياً سابقاً. إن هذا التوقف والتقليص في المشاركة لدعم مساعدات الأمم المتحدة، سيعني ضعضعةً كبيرةً في موازنات بعض الدول المعتمدة على هذه المعونات المالية، واضطرارَها إلى تقليص برامجها الاقتصادية، ومن ثم إضعاف استهلاكها الطاقوي والنفطي.
واحتلت عناوين «المعادن النادرة» والنزاع عليها صفحات الإعلام في عام 2025 أكثر من أي سنة أخرى، وهي التي تشكل نحو 50 في المائة من المعادن التي تُستعمل في تصنيع الأسلحة الأميركية. هذه المعركة جزء من الصراع الاقتصادي الدائر بين الولايات المتحدة والصين، بل والأهم من ذلك أن صراع «المعادن النادرة» جزء أساسي من صراع القوى بين واشنطن والصين، خصوصاً في مجالات التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي والطاقات المستدامة، لا سيما أن الصين وضعت شروطاً على تصدير بعض هذه المعادن؛ مما دفع بالولايات المتحدة إلى توقيع اتفاقات مع دول أخرى للحصول عليها، أو إنتاج البعض منها محلياً بقدر الإمكان، ومن ثم الحساسيات والمنافسة بين الطرفين للحصول على هذه المعادن والاستئثار بها.

