: آخر تحديث

الاحتجاجات في إيران... اختبار الاقتصاد والأمن!

9
8
6

بينما كان المراقبون يُحاولون تتبع مستقبل «الملف النووي الإيراني»، وما إذا كانت هنالك مفاوضات قد تحدث بين واشنطن وطهران، أم أنَّ الأمر مؤجل بانتظار جولة مواجهة عسكرية إسرائيلية - إيرانية قد تعود في أي وقت؛ حدث أمرٌ قد لا يكون مفاجئاً، لكنَّه دراماتيكي في توقيته، ودلالته، وما سوف يؤول إليه، وهو الاحتجاجات التي اندلعت في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، التي لا يمكن قراءتها بوصفها حراكاً سياسياً تقليدياً، بل إشارة صريحة إلى الضغط الكبير معيشياً الذي بات يثقل كاهل المواطنين.

لقد كانت نقطة الانطلاق اقتصادية فاقعة، نتيجة تجاوز سعر صرف الدولار في السوق مستويات قياسية.

خروج الاحتجاج من أسواق طهران يحمل دلالة رمزية - تاريخية، فهي المكان ذاته الذي دعم الثورة ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي!

التجار في إيران، كما في معظم الاقتصادات المماثلة، يُشكلون فئة حذرة سياسياً، تميل إلى الاستقرار، وتبحث عن التكيف أكثر من الصدام. من هنا، فتحرك هذه الفئة يعكس وصول الضغوط الاقتصادية إلى مستوى لم تعد معه أدواتُ الصبر ممكنة. وهذا ما يُفسر سرعة انتقال الاحتجاج من الإغلاق الصامت للمحال إلى التجمع في الشارع، قبل أن تمتد آثاره إلى طلاب الجامعات وشرائح مدنية أخرى.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تعامل مع هذه التطورات بسياسة التفهم والإصغاء لمطالب المحتجين، خصوصاً أنَّه حذَّر من أنَّ الوضع الاقتصادي السيئ سيقود إلى غضب الشارع، في أكثر من مناسبة.

بزشكيان أعلن أنَّه كلف «وزير الداخلية بالاستماع إلى المطالب المشروعة للمحتجين من خلال الحوار مع ممثليهم، حتى تتمكَّن الحكومة من التحرك بكل طاقتها لحل المشكلات والتعامل معها بمسؤولية»، مبيناً أنَّ الحكومة وضعت «إجراءات أساسية لإصلاح النظام النقدي والمصرفي، والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين»، ساعياً عبر ذلك إلى احتواء الأزمة قبل أن تخرج عن دائرة السيطرة!

بموازاة ذلك، عمدتِ الحكومة الإيرانية إلى سياسة تفصل بين المطلب الاجتماعي والمسار الأمني. المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، قالت: «نحن نعترف رسمياً بوجود هذه الاحتجاجات، ونسمع أصوات الناس، وندرك أنَّ مصدرها ضغط طبيعي ناتج عن الضغوط المعيشية التي يواجهها المواطنون»، دون أن تتَّهم المحتجين بأنَّهم عملاء للخارج، أو ينفذون أجندات مشبوهة.

رغم هذه اللغة الحكومية المرنة، لم يبقَ المشهد ضمن هذا الإطار السلمي، فتقارير متواترة تحدثت عن وقوع اشتباكات في عدد من المدن، واستخدام قوات الأمن الغاز المسيل للدموع، إضافة إلى سقوط مصابين، ووقوع اعتقالات، وأعمال شغب، وهجوم على مقار قامت بها عناصر من المحتجين، أو قد تكون مندسة أو إجرامية!

هذا التصعيد كان له صداه داخل النظام بأجنحته المختلفة. في حين قدّم الخطاب الرئاسي والحكومي لغة احتواء نسبي، صدرت عن مؤسسات أمنية وعسكرية توصيفات تتحدَّث عن «فتنة»، وأن هنالك مَن يريد جرّ البلاد إلى الاقتتال الداخلي.

هذا التباين في المقاربة يعكس اختلافاً في تقدير المخاطر بين مَن يرى أولوية الاحتواء الاقتصادي والاجتماعي، ومَن يرى في اتساع الاحتجاج تهديداً مباشراً للاستقرار السياسي قد يضعف «الجبهة الداخلية»، ويجعلها أكثرَ هشاشة، وبالتالي يزيد انكشافها أمام أجهزة الاستخبارات الأجنبية، وتحديداً «الموساد» الإسرائيلي.

من جهته، الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال عَبْر منصة «تروث سوشيال» إنَّ الولايات المتحدة ستتدخل إذا جرى قمع المحتجين السلميين بعنف، مضيفاً: «نحن في حالة جهوزية كاملة، ومستعدون للتحرك». وهذا التصريح يرى البعض أنَّه أدخل الاحتجاجات إلى معادلة الصراع الأميركي - الإيراني، ورفع تكلفة أي معالجة أمنية داخلية، وفي الوقت نفسه وفّر ذريعة إضافية للحديث داخل إيران عن تدخل خارجي محتمل.

رئيس «المجلس الأعلى للأمن القومي» علي لاريجاني، ردَّ على تصريحات ترمب، قائلاً إنَّه «يجب على ترمب أن يدرك أن تدخل الولايات المتحدة في مشكلة داخلية يعني فوضى في كامل المنطقة، وتدميراً للمصالح الأميركية»، مضيفاً: «على الشعب الأميركي أن يعلم أن ترمب هو مَن بدأ هذه المغامرة، وعليه أن ينتبه إلى جنوده».

موقف لاريجاني يكشف عن مستوى الحساسية السياسية والأمنية لدى طهران من أي تدخل أو دعم خارجي للاحتجاجات الجارية، وهو دعم، وإن كان إعلامياً، فإنَّه قد يمنح التيار المتشدد أن يشن حملة قمع عنيفة، وبالتالي إفشال المساعي الإصلاحية للرئيس مسعود بزشكيان. بالنسبة لدول الخليج العربي، فهي تراقب ما يحدث بحذر، دون أن تتدخل في الشؤون الإيرانية، فهي دائماً تعدّ أنَّ علاقتها مع طهران يجب أن تُبنى على حُسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض إثارة القلاقل؛ خصوصاً أنَّ دول الخليج العربي لديها مشروعات تنموية كبيرة، واختلال الأمن في المنطقة يؤخر هذه المشروعات.

في الوقت ذاته، فإنَّ أيَّ اضطراب طويل الأمد تتسع رقعته في المدن والقرى الإيرانية، ويتحول إلى العنف المسلح، سيقود إلى الفوضى وتدخل جهات أجنبية تغذي الصراع، ما ينعكس سلباً على أمن الخليج العربي وأمن المضائق المائية وأسواق النفط.

من هذا المنظور، فإنَّ الحفاظ على مسار تغيير سلمي هادئ ومنضبط داخل إيران يعدّ مصلحة إقليمية، لأنَّه يقلل احتمالات الفوضى، ويكبح رغبات إسرائيل في إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها الضيقة وسياساتها التي لا تحترم القانون الدولي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد