: آخر تحديث

علاء عبد الفتاح خارج بطانته

10
8
7

صدمة النشطاء السياسيين بأزمةِ علاء عبد الفتاح هائلة. أولاً، ليقينهم بأنَّها لا تخصُّ علاءَ وحدَه. ثم لأنَّها ضربت صميمَ الصورة التي صنعوها لأنفسهم محلياً، وأخلّت بقواعدِ العلاقة مع داعميهم الدوليين. النتيجة كانت حيرةً وارتباكاً، وعجزاً كاملاً أو إحجاماً واضحاً عن تقديم الدعم له حيث يحتاج إليه، على عكس ما اعتادوا في البيئة المحلية.

في هذه الأزمة رأينا الناشطَ السياسيَّ منزوعاً عن بطانته، ورأتْه بطانتُه منزوعاً منها.

الناشط ظاهرة برزت مع العولمةِ وصعود المنظمات غير الحكومية. وهو ليس سياسياً بالمعنى التقليدي. لا ينتظم في فصيل ذي توجهات محدَّدة، ولا يُساءل على تصريحاته في استحقاق.

وهو بهذا معادلٌ سياسيٌّ للمروج العقاري. يعفي المالكَ من الظهور في الصورة.

سعيُ سماسرةِ عقارات إلى تسويق عقار بعينه لا يخلق وحدة هدف، بل يخلق تنافساً. وهذا يفسر لماذا يتحوَّل نشطاء مشهورون يروّجون أفكاراً متقاربة إلى خصوم ألداء، بدل أن يجمعَهم كيانٌ واحد.

تجتمع هذه الخصائص لتجعل عالم النشطاء، على حداثته، أقربَ إلى النمط السياسي لعصر المقاطعات، بما فيه من مركزية للبطانة. ينقسم جمهور النشطاء إلى بطانات، ينتمي كل منها إلى شخص تستقيم مصالحه معها، أو تمنحها صلته به وجاهة اجتماعية إضافية. أمَّا الفكرة السياسية فتتراجع إلى المركز الثاني، وتُقاس قيمتها بقيمته، فيتحول انتقادُها إلى انتقاد شخصي له، وتشكيك في مهارته المهنية، وقدرته على الترويج!

تتكوَّن بين الناشط المشهور وبطانته علاقة أحادية الاتجاه، يضمحل فيها النقد ويحاط بشروط صارمة: ألا يكون علنياً، وألا يتكرر أكثر من المسموح. عزَّزت السوشيال ميديا هذه العلاقة، حيث يصبح المهتمون بآرائك متابعين، وحيث يفتح الانتقاد البسيط باب الانتشار الفيروسي. وحتَّم ذلك أن تكون عقوبة مخالفة شروط الانتقاد قاسية، تبدأ بالحرمان من المتابعة، ولا تنتهي عند تحويل المنتقد إلى مادة للتنمر الإلكتروني. من دون هذه الصرامة سيقضي الناشط وقته في محاورة بطانته، بدل توسيع قاعدته في مواجهة المنافسين.

ترسخت العلاقة العضوية بين الناشط وبطانته إذن. منحته دائرة آمنة تُغنيه عن مراجعة نفسه، وتشجعه على التمادي، وتحول الاستعلاء الأخلاقي من طبع شخصي يحضر ويغيب إلى ضرورة مهنية.

أما البطانة فصارت رأسمال الناشط. بها تسبغ عليه الخوارزميات صفة «المؤثر»، وتجعله معروفاً لدى جهات خارجية تبحث عن مؤثرين. دخول هذه الجهات يوفر دعماً مادياً، ويوفر دعماً معنوياً مهماً، يشجعه على تقديم نفسه لمجتمعه المحلي كما قدم المتعلمون الريفيون الأوائل أنفسهم للنجع: هو يعلم، وهم لا يعلمون. وهو صديق العِلْية.

تبدو الأمور في هذه المرحلة مستقرة تماماً: ببطانة محلية صلبة، وعُلوية أخلاقية في مواجهة السلطة، ودعم عالمي متراكم. ترتيب مثالي لتويست درامي مشهود، أو- بالتعبير الشعبي- فرشة مثالية لنكتة... ولكن سوداء.

يتعرَّض الناشط لتمحيص عالمي على الآراء التي أكسبته مكانته لدى بطانته. تحاول البطانة استخدام أسلوبها الوحيد: باتهام المنتقدين، وإعفاء الناشط من المسؤولية عن آرائه المكتوبة والمعلنة. لم تدرك أن ما اعتادت النجاة به محلياً لن ينفع في البيئة الجديدة.

لم يكن هذا الانكشاف العالمي إلا بداية سلسلة الحرج. أعقبه أن الناشط أحرج بطانته نفسها باعتذاره عن المنشورات التي حاول أفرادها تبريرها محلياً. انهارت الصورة المقدمة عن النفس بوصفها مرجعية أخلاقية لا تُختبر، وصلابة لا تنثني. وانهارت صورة العالمي، صديق العالم المتنور، الذاهب إلى التتويج بوصفه بطل الرأي الحر. ليحل محلها مشهد مقابل تماماً: المنبوذ من ذلك العالم، والواقف أمام بوابة القصر المغلقة، يتنكر له الحضور، ويعتذرون بأنهم خُدعوا به.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد