هل هذا خبر عادي يخص دولة في امريكا اللاتينية، باعتبار انه تطور «سياسي» حصل بشكل مفاجئ لفنزويلا؟ أم انه بداية انقلاب لقيم وأخلاق الدول، أو سيطرة القطب الواحد في عالمنا؟
بغض النظر عن موقفنا من مادورو، هل ما حصل في فنزويلا أصبح واقعاً يمكن أن يتكرر مرة واثنتين وثلاثاً لأسماء أجنبية أو عربية أيضاً؟
أم صار موضوع خطف / اعتقال رئيس دولة من داخل بلده، ثم نقله إلى دولة أخرى، ممكن ان يكون أمراً واقعاً؟
إذا حدث ذلك مرة بهذا الوضوح، فماذا يمنع تكراره مع أسماء أخرى، ولأسباب أخرى، بحجج مختلفة؟
هل ما جرى «دليل قطب واحد»؟
لا يمكن أن ننكر أو ننفي أن دولة تملك قدرة عسكرية واستخبارية وتكنولوجية ولوجستية، مثل الولايات المتحدة، عندما تقوم بتنفيذ عملية داخل دولة ذات سيادة، واقتلاع «الرأس السياسي» منها، ونقله لخارج دولته تمهيداً لمحاكمته بأي تهمة، هو دليل على اننا ندخل مرحلة تبدّل قواعد السلوك الدولي من «احتواء الأنظمة» إلى «إزالة الأشخاص».
هل أصبح العالم اليوم بكل ظروفه، «قطباً واحداً»، قادراً، أمام شلل الكرة الأرضية، على تحويل «تهمة قضائية داخلية» في دولة ما، إلى مبرر يتيح لهذا القطب، تغيير واقع سياسي في دولة لها شرعيتها، وتحويل «تهمة قضائية داخلية» فيها إلى مبرر لتغيير الواقع السياسي، بشكل مباغت ومفاجئ وتحت جنح الظلام.
الرسالة التي التقطها العالم فجر 3 يناير 2026 هي أن قواعد السلوك الدولي قد تحولت إلى نوع من التعدي على سيادة الدول بهدف إزالة الأشخاص.. تحت أي حجة، إرهاب أو مخدرات أو تهديد.
موجة انتقادات عالمية تصاعدت بعد انتشار هذا الخبر، ما اعتبروه انتهاكاً للقانون الدولي والسيادة الدولية، وسابقة خطيرة.
فيما انقسم الشعب الفنزويلي بين من مؤيد له لأنه «إنقاذ» لهم، وبين من اعتبره عدواناً على سيادة بلدهم، ما يؤكد ان هذا التعدي لا يمكن ان يمنحه شرعية مريحة.
نأتي إلى منطقتنا العربية، التي تتخاطفها المصالح الدولية، لأنها تمتلك مغريات كثيرة تفتح شهية السيطرة عليها، وهي أكثر مناطق العالم تعرضاً لتضارب المصالح الدولية، بسبب الثروات النفطية والممرات المائية المهمة وغيرها.
وهذا قد يخلق تخوفاً وهاجساً يمكن ان ينعكس على نوع العلاقات والمصالح المشتركة بين المنطقة والطرف القوي الاوحد في العالم، فمجرد التهديد أو التلويح به، كافٍ لتغيير الحسابات.
لذلك فالدول التي تعاني انقساماً داخلياً أو ضعفاً مؤسساتياً، ستكون اكثر الدول عرضة لأن تتحول إلى ساحات «اختبار» بين القوى المحيطة.
عالمنا العربي لا يمكن ان يواجه هذا النظام المفاجئ، إلا بمواقف موحدة، وتأكيد مبدأ السيادة كخط أحمر جماعي، وأكرر كلمة «جماعي»، والابتعاد عن الصمت، لأن الصمت عادة يُفسَّر كقبول.
بالنهاية ما جرى في فنزويلا في مطلع 2026 ليس مجرد خبر، بل هو اختبار.
هل سيقبل العالم أن تتحول القوة إلى قانون؟ أم سيردّ بإعادة بناء خطوط حمراء تمنع امتداد شريعة الغاب؟
إقبال الأحمد

