علي الخزيم
أسلافنا العرب -وأعقابهم- يميّزهم السَّخاء وطيب العطاء؛ واشتُهِر عنهم بين الأمم الكرم ومكارم الأخلاق كمنظومة كاملة شاملة مُتعاضدة؛ وسَجَّلوا بعض مآثرهم بهذا الشأن بكثير من قصائدهم وأشعارهم الجزلة البليغة، ولأننا في شهر الخير والعطاء: يستذكر المسلمون ما كان عليه أجدادهم فيزداد العطاء بلا حدود؛ ويتسابقون إلى المحتاجين من الأرامل العاجزات عن كسب قوت مَن يُعلن؛ والأيتام المُعوزين ومثلهم العَجَزَة والشيوخ مِمَّن لا كسب لهم، ومملكتنا الغالية بقيادتها الرشيدة -حرسها الله- لم تترك جهدًا إلَّا بذلته في سبيل العطاء والعون للأشقاء والأصدقاء من المسلمين وغيرهم؛ دون تمييز بلون أو عرق أو طائفة؛ فحب الخير والحث عليه ديدن مملكة الإنسانية.
العطاء فكرة إنسانية وسَجِيَّة راقية وطريقة مُهذبَة للنفع بلا حدود؛ ولا يقتصر العطاء على المال دون غيره من المنافع، وأجدادنا العرب الأوائل أدركوا بجلاء هذه المنفعة والخصلة الكريمة فغيَّروا بها كثيرًا من مسارات وواقع الأحداث العارضة؛ ودوَّنوا بتاريخهم المجيد أنصع الصفحات ليتلوها الأحفاد بكل فخر ويحذوا حذوهم بسبيل البذل والعطاء دون كِبر ولا مَنّ ولا أذى، قال الشاعر ابن الرومي:
ليس الكريم الذي يعطي عطيتَهُ
على الثناء وإن أغلى به الثمنا
بل الكريم الذي يعطي عطيته
لغير شيء سوى استحسانه الحسنا
ولهذا كان مِن شِيم العرب التي أبقوها لمَن بعدهم: بذل النفيس وكريم المال وطيِّب الزاد؛ حتى أن مَن أراد منهم أن يُهدي خيلًا أو إبلًا فلا يُقَدّم سوى الكريم الأصيل النبيل منها، فِمن أكبر العيوب والمآخذ عندهم إهداء الأقل جودة والأدنى سلالة من الخيل والنَّعم؛ أو الرديء من الطعام والكساء ونحوها، وهنا تلميحة عابرة للتذكير بأن البعض في رمضان الخير والعطاء يَعمدُون إلى صرف بقايا الأطعمة الزائدة لمن حولهم من المحتاجين أو للتجمعات العمالية التي تستقبل عادة فائض الأطعمة، أقول: بأن أجمل العطاء وأحسنه أن تُقدّم ما طاب من طعام وما زان مِن مَلبَس وكسوة؛ فإن الله سبحانه طيِّب لا يقبل إلَّا طيّبا.
وإني لأعرف عن قُرب مَن الأفاضل مِمَّن يتصدقون ولا يعلم بأفعالهم الخيِّرة الإنسانية سوى الله -جلَّ شأنه- فمنهجهم الستر على مستقبلي العطاء؛ وتلك -وأيم الله- مِن سجايا أجدادهم العرب الأوائل؛ فأهل جزيرة العرب كانوا يتمثَّلون بمقولة: (فضحك وكشفك حال المُتَصَدّق عليه كأنك تسفك دمه)؛ فكرامة المُنتفِع لها واجب الصيانة؛ وليس من المروءة التَّباهي بالعطاء والكِبر عند البذل والحديث به أمام الآخرين، وقد استدل كثير من السلف الصالح على (صدق إيمان المتصدقين) بالمال وغيره؛ ونُقِل عن الإمام صالح بن عثيمين قوله: (في الصدقة دفع حاجة الفقراء والتَّخلق بأخلاق الفضلاء الكرماء)، وقال لقمان الحكيم: (إذا أخطأت خطيئة فأعطِ الصدقة).
ومن الطرائف التي تؤكد الكرم والسخاء العربي؛ أن أعرابيًا صادف حاتم الطائي فلم يُعطه شيئًا لسبب آنِيّ حينها، فذهب الرجل يتحدث بين الناس أن حاتمًا قد وهبه وأناله، فبلغ الأمر حاتمًا؛ فسأله: كيف تتحدث بما لم يكن؟ فأجابه: وهل يُصدّقونني إن أنا قلت: لم يعطني شيئًا؟!

