إيلاف من لندن: تتهيأ باريس لاستقبال ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، الاثنين 24 أغسطس/آب، في زيارة تعكس الثقل المتزايد للعلاقات السعودية–الفرنسية واتساعها من التعاون السياسي التقليدي إلى شراكة استراتيجية تمتد من الدفاع والطاقة والاستثمار إلى الذكاء الاصطناعي والثقافة.
وتستعد باريس، وفق بلومبيرغ، لاستقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في ساحة الشرف بالإنفاليد، ضمن مراسم رسمية رفيعة تتخللها تشريفات عسكرية مخصصة لكبار قادة الدول.
شراكة متقدمة
ولا يأتي المشهد البروتوكولي المرتقب منفصلاً عن مسار سياسي واقتصادي متسارع بين الرياض وباريس. فقد شهدت العلاقات خلال السنوات الأخيرة انتقالاً واضحاً نحو صيغة أكثر مؤسسية، تجمع التنسيق السياسي والأمني مع ملفات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا والاستثمارات الكبرى.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أجرى زيارة دولة إلى السعودية بين 2 و4 ديسمبر/كانون الأول 2024، أكد خلالها البلدان رغبتهما في تعميق التعاون في مجالات الدفاع والأمن والتحول في قطاع الطاقة والربط الاقتصادي والتقني، إلى جانب الاستثمار في قطاعات المستقبل، وفي مقدمتها التكنولوجيا المالية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
كما ارتبط جانب كبير من التحرك الاقتصادي الفرنسي تجاه المملكة بالمشاريع الضخمة التي تقودها رؤية السعودية 2030، وما توفره من فرص في قطاعات البنية التحتية والنقل والسياحة والثقافة والطاقة والصناعات الجديدة.
ثقل اقتصادي
وتعكس حركة التجارة والاستثمار اتساع قاعدة المصالح المشتركة بين البلدين، فيما تنشط الشركات الفرنسية في عدد من القطاعات السعودية الحيوية، من الطيران والنقل والطاقة المتجددة إلى الصناعة والبنية التحتية والتقنية.
وتتطلع باريس إلى موقع متقدم داخل التحولات الاقتصادية التي تقودها السعودية، في وقت تسعى الرياض إلى توسيع شبكة شراكاتها الدولية وجذب التكنولوجيا والاستثمارات والخبرات التي تخدم مشاريع التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
ولا تقتصر العلاقة على الشركات والمشاريع الكبرى، إذ توسع التعاون خلال السنوات الماضية ليشمل السياحة والثقافة والتراث والصناعات الإبداعية، وهي مجالات باتت تحتل مساحة متزايدة في العلاقات بين البلدين.
تنسيق سياسي
أما سياسياً، فتتجاوز العلاقة السعودية–الفرنسية حدود الملف الثنائي إلى عدد من أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية.
وتحافظ الرياض وباريس على قنوات اتصال مباشرة على مستوى القيادتين بشأن أمن المنطقة، والاستقرار الإقليمي، والقضية الفلسطينية، وأمن الملاحة، إلى جانب عدد من الأزمات الدولية.
وقد وثق قصر الإليزيه خلال 2026 استمرار الاتصالات بين الرئيس ماكرون والأمير محمد بن سلمان، في مؤشر إلى كثافة التشاور السياسي بين الجانبين في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في الإقليم.
كما اكتسب التنسيق الفرنسي–السعودي بشأن القضية الفلسطينية ثقلاً دولياً إضافياً خلال الفترة الماضية، بعدما تحولت الرياض وباريس إلى طرفين رئيسيين في تحركات دبلوماسية دولية مرتبطة بمسار حل الدولتين ومستقبل التسوية السياسية.
رسالة الإنفاليد
ولهذا، تحمل مراسم الاستقبال المرتقبة في الإنفاليد دلالة تتجاوز مشهد التشريفات العسكرية.
فباريس تستقبل قائداً لدولة أصبحت لاعباً مركزياً في ملفات الطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي والدبلوماسية الدولية، فيما تتعامل الرياض مع فرنسا بوصفها إحدى القوى الأوروبية التي تمتلك وزناً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً يمكن البناء عليه ضمن شبكة الشراكات السعودية المتعددة.
ومن الإنفاليد إلى طاولة المحادثات، ستكون الزيارة اختباراً جديداً لمدى انتقال العلاقات من «الشراكة الاستراتيجية» المعلنة إلى مشاريع وقرارات واتفاقات تمنحها مضموناً أوسع وأكثر استدامة.


