كان الدكتور فينتر يتمتع بثقة عالية بالنفس، وقد تجلّى ذلك بوضوح، عندما كشف أن المتبرّع المجهول، الذي قامت سيليرا بتسلسل جينومه، لم يكن سوى نفسه، وكانت تلك مغامرة لا يقدم عليها غير أصحاب النفوس الكبيرة من «العلماء» الحقيقيين.
ساعدته عزيمته ومهاراته الإدارية على غرس الولاء، وتكوين فرق من العلماء المتميزين، بمن فيهم عالم الأحياء الدقيقة الحائز جائزة نوبل هاميلتون، وحققوا إنجازاتٍ بارزة في مجال علم الجينوم الناشئ. وأعلن عام 1995 عن ثورة في علم الأحياء الدقيقة، عندما نشر تسلسل حروف الحمض النووي للبكتيريا المستديمة النزلية، وهو أول جينوم بكتيري يُفك شفرته، إلى جانب شروحٍ لجميع جينات الكائن الحي.
أشعلت تلك اللحظة شرارة العلم. فللمرة الأولى، أصبح بإمكان الباحثين رؤية جميع المكونات الجينية لكائن حي، مما منح علماء الأحياء الدقيقة دليلاً لأدوات البكتيريا الجينية، كما أشعلت سباقاً محموماً لتسلسل جينومات مسببات الأمراض المعروفة، بهدف تحديد ترساناتها الجينية وابتكار تدابير مضادة.
أصبح فك شفرة الجينوم البشري، التحدي الكبير التالي للدكتور فينتر، محور منافسة بين فريقه في شركة سيليرا ضد اتحاد من المنافسين الأكاديميين، ورفضت المعاهد الوطنية للصحة، وهي جهة راعية رئيسية لهذا الجهد، التعاون معه، لكنه حصل بدلاً من ذلك على تمويل خاص، ومكنته طريقة «شوتجن»، التي ابتكرها، من القضاء على منافسيه. ولو توفّر له الوقت والمال الكافيان، لكان قد فاز بجائزة نوبل. بدلاً من ذلك، وافق على مضض على قبول عرض التحالف، الذي قلّل من أهمية إنجازاته، وتقديراً لها حصل على جائزة نيرنبرغ للعلوم المرموقة. وقدّم له الرئيس باراك أوباما الميدالية الوطنية للعلوم عام 2009.
لكن، ماذا يعني فك شيفرة الجينوم البشري؟ يعني أن العلماء استطاعوا قراءة معظم المعلومات الوراثية الموجودة في الحمض النووي للإنسان، أي «خريطة» الجينات، التي تحدّد كثيراً من الصفات والميول البيولوجية في الجسم. وأصبح العلماء قادرين على تحديد التسلسل الكامل تقريباً للجينوم، بما يساعد في فهم الأمراض الوراثية والتطور البشري بشكل أفضل، كما أن استكمال الجينوم فتح الباب أمام أبحاث أدق في السرطان، وأمراض القلب، والاضطرابات العصبية، والشيخوخة.
وتكمن أهمية الاكتشاف في معرفة أجزاء صعبة أو مفقودة من الجينوم لم تُقرأ بدقة، وبعد اكتمالها صار بالإمكان دراسة هذه المناطق الغامضة وربطها بوظائف جينية أو أمراض معينة. وبمعنى أبسط: صار لدى العلماء «الكتاب الكامل» تقريباً بدل نسخة ناقصة، وهذا يحسّن التشخيص والبحث، وربما العلاج مستقبلاً. فإذا كان الجسم مثلاً مدينة كبيرة، فالجينوم هو المخطط الذي يوضح أين تقع الأبنية والطرق والمرافق. وفك شفرة الجينوم يعني قراءة هذا المخطط.
أحمد الصراف

