رائد محمد آل شهاب
الآية القرآنيّة الكريمة {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} هي المقياس الإلهي للمفاضلة بين البشر، وتؤكد أن التفاضل لا يكون بالنسب أو المال أو الحسب، بل بتقوى الله عز وجل وطاعته، حيث إن أشدكم اتقاءً لله وخشيةً له هو الأكرم عند الله. ومن هذا المنطلق، لم يذكر الله عز وجل كيفية بعض العبادات وكثرتها وقلتها والزيارات ... الخ، بل جعلها مفتوحة للسباق للخيرات، ولذلك تؤكد التقديرات أن آيات الأخلاق في القرآن الكريم تفوق آيات العبادات بشكل كبير، حيث تشير الدراسات إلى وجود أكثر من 1,500 آية تتناول الأخلاق والمعاملات، بينما آيات العبادات المباشرة تُقدر بنحو 110 إلى 130 آية فقط.
وأنا أعتقد ككاتب أنه مقياس ضخم جداً، يدعو الإنسان للتفكير والتدبر مرة ومرتين وملايين المرات في هذه الآية المباركة، قراءتها سهلة جداً ولكن العمل بها ليس لها حدود، سباق مع الزمن.
فلو تمعنا قليلاً، نلاحظ الأنبياء جميعهم لم تقف رسالتهم إلى حدود الدعوة فقط، بل تجاوزت إلى أبعاد لا حدود لها ولا يستوعبها العقل البشري. على سبيل المثال لا الحصر:
- نبي الله نوح «عليه السلام» هو من دعا قومه إلى عبادة الله وحده وترك الأصنام لمدة 950 سنة، كما ذكر في القرآن الكريم: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}. استمرت دعوته طويلاً، ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، ومع ذلك، لم يؤمن معه إلا قليل من قومه. والشيء اللافت للانتباه والذي يستحق الوقوف له الصبر العظيم، وبناء سفينة نوح كان بأمر إلهي وفقاً للديانات السماوية، حيث أمره الله بصنع سفينة ضخمة من خشب الجوفر غالباً ما يعتقد أنه الأرز لتنجو به وعائلته والمؤمنين والحيوانات من الطوفان العظيم، وكانت بأبعاد محددة ومقسمة لثلاثة طوابق للحيوانات والناس والنفايات، وتمت تغطيتها بالقار من الداخل والخارج كما هو مذكور في الروايات. لم يكتفي النبي بالدعوة، بل خرج من دائرة الدعوة إلى دائرة أخرى إضافية وهي العمل الميداني وقومه يسخرون منه خلال عملية البناء.
- نبي الله داوود «عليه السلام» خرج في يوم من الأيام يتفقد الناس، وهو ملثم الوجه، سئل أحد الأشخاص «كيف ترا داوود بالحكم؟» أجاب الرجل: نِعم الحاكم ونعم النبي ولكنه يأكل من بيت المال. طبعاً، لا توجد مشكلة من أخد من بيت المال لأنه يعتبر موظفا للشعب. ولكن كان القصد هو الترفع من أخد من بيت المال، فسلك النبي مسارا آخر وترفع عن بيت المال، ألان الله تعالى الحديد كمعجزة، فصار في يديه طيّعاً كالعجين أو الطين دون الحاجة لنار أو مطرقة.
- خاتم النبيين النبي محمد -صلى الله عليه واله وسلم-، وهو نبي وجوهرة الإسلام، لم يكتف بشرف النبوة وهيبتها العظيمة، ففي جميع الغزوات الإسلامية ونشر دعوة الحق، يشرف على المقاتلين والخيول وخطط المواجهة ..إلخ، ومن ثم يدعو الله تعالى.
- الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه رمزاً للشجاعة والفروسية في التاريخ الإسلامي، حيث عُرف بإقدامه الذي لم يعرف التراجع، وكان سيفه «ذو الفقار» حاسماً في نصرة الدين. برزت شجاعته في كافة المعارك النبوية (بدر، أحد، الخندق، خيبر) ولم يسجد لصنم قط، مما جعله من أشجع مقاتلي الإسلام. بالإضافة لكونه إمام وخليفة المسلمين.
- وأخيراً، سورة لقمان بالقرآن الكريم، شخص داكن البشرة، راعي غنم ومملوك إلى رجل. سئل لقمان كيف أتيت بالحكمة؟ أجاب: قدر الله، أداء الأمانة، صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. نعم أصبح أحد أولياء الله، يقرا اسمه على مسامع البشر إلى يوم الدين. شيء عظيم، فلا تحقرن من الطاعة شيئا، عسى أن يكون رضي الله به.
قد يعمل الشخص في العبادات عشرات بل مئات المرات، قد يكون الشخص عالما وعلمه منتشر في كل أصقاع العالم، لكن مع كل هذه السنوات من العبادات والعلم لا تجد الرضى والقبول عند الله عز وجل لسبب ما قد يجهله العبد، إما لخلل بسيط أو قد وجدت القبول مقدماً دنيوياً فقط، ك احترام الناس له وحصوله على الاجر المادي. ويواجه هذا العالم أو العبد المثقل بالعبادات والعلم حالة من النقص الحاد في رصيد الآخرة. بينما ترى شخصا آخر، دخل الجنة بسبب رفقه بالحيوان وتقديم الماء لهم، وهو بعيد عن فصول الايمان. فلا تحقرن من الطاعة شيئا عسى أن يكون رضى الله فيه.
وفي المقابل، لا تحقرن من المعصية شيئا، فهناك قصة جميلة عن ملك ملطخة أعماله بالطاغي من قتل وسلب أموال الناس ...الخ، ذات يوم خرج الملك حول القصر، شاهد كوخا خلف القصر. رجع إلى القصر منزعجا. وسأل الحاشية: إلى من يعود هذا الكوخ؟ قالو له: امرأة عجوز يا جلالة الملك، تخرج صباحاُ تبحث عن الخبز، ثم ترجع إلى الليل هذا الخوخ. أمر هذا الملك بإزالة الكوخ.
قالو له إنه بعيد عن اسوار القصر، وليس له تأثير. أصر على إزالة الكوخ. نفذ الأمر الملكي. رجعت العجوز إلى الكوخ، ولم تجده. لم تفعل شيئا. فقط، رفعت رأسها وبصرها إلى السماء، ثم قالت الكلمات القوية: عندما أزيل الكوخ لم أكن موجودة، أنت أيضاً لم تكن موجودا، لم ترهم؟ النتيجة العظيمة: أوحى الله تعالى إلى الملائكة أن أخسفوا به وبقصره. القوة والعظمة لله تعالى.
ولذلك، يجب علينا الدخول في سباق مع الزمن في أكثر من مسار، كمسدس الشوزن ذو الرصاص الانشطاري لعل وعسى أن نفلح ونصيب رضى الله تعالى وقبول العمل وحسن الخاتمة.
فجميعنا فقراء إلى الله تعالى بل مدينون له، ولا نستطيع الوفاء بنعمه العديدة التي لا تحصي ك بعض أجزاء جسم الانسان التي بها ملايين الخلايا تعمل حول الساعة بدقة متناهية. فذهابنا إلى الجنة بلطفه ورحمته.
** **
المصادر:
* القرآن الكريم، صورة الحجرات ايه 13 تفسير السعدي.
* نبذة عن بعض الأنبياء والرسل والائمة والصالحين، الذكاء الاصطناعي.

