لطالما اعتبرت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني بمثابة "المصنع الحقيقي" الذي يمد شريان الاقتصاد الوطني بالكفاءات الميدانية، وهي المؤسسة التي تشكلت هويتها عبر عقود من الالتصاق الوثيق بمتطلبات الميدان والإنتاج.
لقد عاشت هذه المؤسسة حقبة ذهبية من الاستقرار الإداري والوضوح الاستراتيجي حين كانت تعمل تحت مظلة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وشهدت تلك المرحلة حراكاً ملموساً لتعزيز دور الفني السعودي وجعل الشهادة المهنية موازية في قيمتها للشهادة الأكاديمية، بل ومتفوقة عليها في سرعة النفاذ إلى سوق العمل.
إلا أن التحول التنظيمي الذي حدث قبل عدة أعوام بنقل تبعية المؤسسة وإشرافها إلى وزارة التعليم، قد أحدث نوعاً من الضبابية في المشهد القيادي، وهنا يتردد تساؤل مشروع في أروقة المهتمين، لماذا غاب منصب "محافظ المؤسسة" عن الواجهة القيادية منذ سنوات؟ إن هذا التواري للمنصب التنفيذي المستقل يفتح الباب أمام هواجس موضوعية حول مدى الحفاظ على استقلالية القرار التقني، وهل بدأت الخصوصية المهنية للمؤسسة تذوب تدريجياً داخل المظلة الأكاديمية الواسعة لوزارة التعليم، مما قد يهدد بـ"أكدمة" التدريب وتحويله من فن تطبيقي إلى تحصيل نظري.
في هذا السياق، يكتسب قلق القطاع الخاص بعدًا أعمق حين يُقرأ في ضوء رؤية السعودية 2030، التي وضعت تمكين رأس المال البشري ومواءمة مخرجات التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل في صميم مستهدفاتها. فالرؤية لم تتعامل مع التدريب بوصفه نشاطًا تعليميًا تقليديًا، بل كرافعة اقتصادية تسهم مباشرة في رفع الإنتاجية، وتقليص فجوة المهارات، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح برامج التدريب التقني والمهني في مراحل سابقة لم يكن صدفة، بل كان انعكاسًا عمليًا لفلسفة الرؤية قبل إعلانها رسميًا؛ حين كان القطاع الخاص شريكًا حقيقيًا في تصميم المخرجات، لا مجرد مستهلك لها. نموذج توطين مهن صيانة الجوالات يجسّد هذا المعنى بوضوح، حيث تلاقت التشريعات مع التدريب والتوظيف في منظومة واحدة، فاستجاب التدريب بسرعة عبر حقائب مصممة وفق اشتراطات السوق، وتوسّع في التدريب التعاوني والتدريب على رأس العمل، ليُنتج كوادر جاهزة للاندماج الفوري في سوق العمل.
أما التحول التدريجي نحو القاعات الدراسية والمنظور التربوي التقليدي، فإنه -وإن كان منظمًا ومطمئنًا من الناحية الإجرائية- يتعارض مع روح الرؤية التي تراهن على المهارة القابلة للتطبيق لا على المعرفة المجردة، وعلى الخريج المنتج لا المؤهَّل لاحقًا. فسوق العمل -كما تصفه الرؤية- سوق سريع التغير، تحكمه التقنيات، وتفرضه سلاسل الإمداد، ولا ينتظر دورات إعادة تأهيل داخل المنشآت.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الإنفاق أو عدد البرامج، بل في مدى اتساق فلسفة التدريب مع مستهدفات الرؤية: تدريب مرتبط بالسوق، مصمم بالشراكة مع القطاع الخاص، ويقاس نجاحه بقدرة الخريج على الوقوف بثبات أمام خط الإنتاج من يومه الأول. فهنا فقط تتحول برامج التدريب من عبء تشغيلي إلى استثمار وطني، ومن مخرجات تعليمية إلى مكاسب اقتصادية مستدامة، كما أرادتها رؤية السعودية 2030.
هنا.. يستوجب هذا الواقع طرح تساؤلات جوهرية بروح النقد الهادف، هل وزارة التعليم، بمسؤولياتها الجسيمة تجاه الملايين من طلاب المدارس والجامعات، قادرة على منح التدريب التقني والمهني المرونة "الديناميكية" التي يحتاجها؟ وهل من المجدي أن يتراجع دور وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن الإشراف المباشر، وهي الجهة الأدرى بنبض السوق والأقدر على رسم خارطة الاحتياج الوظيفي؟ إن الفجوة الحالية بين التأهيل والتشغيل قد تكون نتاجاً طبيعياً لهذا الانفصال البنيوي بين الوزارة التي تدرب والوزارة التي ترصد واقع العمل.
إننا نوجه دعوة مخلصة لمراجعة شاملة لمخرجات المؤسسة خلال الفترة الماضية، والتعرف عن قرب على جدوى برامج التدريب الحالية ومدى مواءمتها للتقنيات الحديثة في القطاع الخاص، فالهدف هو ضمان دخول شبابنا إلى سوق العمل وبأقدام واثقة وعقول ملمّة بأدق تفاصيل مهنهم.
في تقديري؛ استعادة بريق التدريب التقني تقتضي عودة التكامل العضوي بين التدريب والعمل، وإعادة الاعتبار للميدان بوصفه "المدرب الأول"، وضمان وجود قيادة متفرغة تملك الصلاحية والرؤية لإدارة دفة هذا القطاع الحيوي بعيداً عن رتابة المناهج الأكاديمية الصرفة.

