: آخر تحديث

ماذا يحدث «بعد ما يناموا العيال»؟

1
1
2

محمد ناصر العطوان

في حياة كل واحد فينا، نحن معشر «المطحونين» في ساقية الحياة اليومية، لحظة مقدسة، لحظة تساوي ثروات إيلون ماسك، وما في خزائن البنوك المركزية، إنها تلك اللحظة الفاصلة، الحد الفاصل بين الجنون والعقل، بين «الدوشة» والسكينة، اللحظة التي تنطفئ فيها أنوار المنزل تدريجياً، ويسود الصمت، ونسميها في قاموسنا الشعبي «بعد ما يناموا العيال».

ولأن الأدب العربي غالباً ما ينشغل بالقضايا الكبرى التي تؤهله لنيل الجوائز، وصراع الحضارات، وقضايا النسوية والشواذ التي لا تطعم خبزاً، كان لابد أن يأتي «صنايعي» ماهر، ابن نكتة وابن «كار»، مثل الكاتب عمر طاهر، ليمسك بهذه اللحظة الهشة، ويضعها تحت ميكروسكوب الأدب في مجموعته القصصية البديعة «بعد ما يناموا العيال» الصادرة عن دار الكرمة لعام 2021.

عمر طاهر، في هذا الكتاب لا يرتدي ثوب الفيلسوف المقعر، ولا يكلمك من برج عاجي من سبعة طوابق، هو يجلس معك في المطبخ، أو على «الكنفة» في الصالة وهو يرتدي البيجامة، ويحكي لك حكايات تبدو للوهلة الأولى عادية جداً... شخوصه ليسوا أبطالاً خارقين؛ هم أناس يشبهوننا، تدور حياتهم في المكاتب والمطابخ ومواقف الانتظار وعشاء بين زوجين في البيت... لكن العبقرية هنا تكمن في تحويل هذا «العادي» إلى فلسفة.

يستخدم طاهر، ما يمكن تسميته بالفلسفة اليومية على طريقة كتابة إبراهيم أصلان، رحمه الله... هو لا يسألك «ما هي الحقيقة؟»، ولكنه بدلاً من ذلك يجعلك ترى الحقيقة في طبق عشاء بارد، أو في رسالة واتساب لم تُرسل من أب لابنه، أو في مشهد من فيلم قديم، أو موشح غنائي غير حياة إنسان... هو يخبرنا أن الحياة الحقيقية، ومآسينا الوجودية، لا تحدث في ساحات المعارك أو على منصة «x»، بل تحدث في تلك التفاصيل التافهة التي نصطدم بها يومياً.

من يقرأ لعمر طاهر يعرف أنه يكتب بعين سيناريست محترف، لغته بصرية بامتياز، هو لا يصف لك الشعور، بل يرسم لك «المشهد».

الإضاءة، الإيماءة، حركة اليد، الصمت المتبادل...

خذ عندك مثلاً قصة «أنثى السكر»... تبدأ بمشهد بسيط لرجل في المطبخ، لكنك فجأة تجد نفسك أمام «مرآة» عاكسة لعلاقة زوجية كاملة، بكل ما فيها من صمت وحنين وكلام لا يُقال... الكاميرا هنا لا تصور الجدران، بل تصور «الشروخ» في أرواح الشخصيات.

المجموعة كلها تدور في فلك تلك المنطقة الرمادية بين النهار والليل.

في النهار، نحن نرتدي أقنعتنا... الموظف الملتزم، الأب الحنون، الزوجة الصبور. لكن «بعد ما يناموا العيال»، تسقط الأقنعة، وهنا يطرح الكتاب تساؤلات موجعة عن الزواج مثل هل هو استقرار أم مجرد عادة؟ وهل نعرف شركاءنا حقاً أم أننا نعيش مع «غرباء» نتقاسم معهم المصاريف؟ العنوان نفسه عبقري في دلالته؛ فهو يوحي بأن الحياة الحقيقية للإنسان، وأسئلته المخيفة، لا تبدأ إلا عندما تنتهي أدواره الاجتماعية الموقتة، وينسحب الجمهور (العيال) إلى غرفهم.

وكعادة أبناء جيله، يحضر «الحنين» (النوستالجيا) ضيفاً دائماً على مائدة عمر طاهر... لكنه ليس حنين «ميكي ماوس» وجيل الطيبين والزمن الجميل الكاذب، هو حنين مشوب بالندم... شخصيات الكتاب «تتذكر أكثر مما تعيش»، وكأن الماضي هو المهرب الوحيد من حاضر لا يرحم.

في قصة «فتاة تشعر بالوحدة في الثمانينات»، تتحول مكالمة هاتفية إلى مرثية لزمن كانت فيه العلاقات –على بساطتها– أكثر صدقاً، قبل أن تبتلعنا شاشات اللمس وتطبيقات التوصيل.

هذا الكتاب ليس رواية ملحمية، وقد تجد بعض قصصه تنتهي فجأة، «مثل ما الحياة تخلص فجأة» دون موسيقى تصويرية أو تترات نهاية... لكن قوته تكمن في بساطته الماكرة.

عمر طاهر، يقول لنا في هذا الكتاب «إن الحياة لا تُقاس بما نفعله في العلن، بل بما نفكر فيه عندما ينام العيال».

هو كتاب عن الهشاشة التي نخفيها ببدل العمل وغترنا ودشاديشنا، وعن الوحدة التي تهاجمنا ونحن وسط اللمة والزوارة، وعن تلك الأسئلة التي نخاف أن نطرحها بصوت عالٍ لئلا يظن الناس أننا مجانين!

فيا عزيزي القارئ، إذا أردت نصيحتي، لا تقرأ هذا الكتاب في كافيه أو في المكتب. اقرأه في موعده الأصلي «بعد ما يناموا العيال»... واقرأه وأنت مستعد لأن ترى وجهك الحقيقي في المرآة، بدون «فلاتر» وبدون رتوش... وتصبحون على... أنفسكم. وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد