كثيراً ما نسمع هذه الأيام الإدارة الأمريكية تردد عبارة «تهديد الأمن القومي» ونسأل كيف يمكن لدولة مثل فنزويلا أو جزيرة مثل غرينلاند أن تشكلا تهديداً للأمن القومي الأمريكي؟
في المنطق الكلاسيكي يبدو السؤال غريباً، كيف يمكن لدولة تعاني أزمة اقتصادية خانقة مثل فنزويلا، أو جزيرة جليدية قليلة السكان مثل غرينلاند أن تُصَنف «تهديداً للأمن القومي الأمريكي»؟
الغموض هنا ليس في فنزويلا أو غرينلاند، بل في معنى الأمن القومي نفسه. وكيف تغيّر عبر الزمن، فبينما كان قديماً يُفهم بأمن الحدود، وقوة الجيوش، وأعداء واضحين، خصوصاً في فترة ما بعد الحربين العالميتين. كان المفهوم آنذاك بسيطاً. كان يعني دولة آمنة بحدود مَحمية وجيش قوي. التهديد كان عسكرياً مباشراً دبابات، صواريخ، وتحالفات.
أما كيف تَغيّر مفهوم الأمن القومي؟ فهو مَسار طويل.
بدأ منذ عام 1945 حيث خرجت الولايات المتحدة من الحرب قوية، فهي الدولة الصناعية الوحيدة التي لم تدمَّر. وفي مؤتمر برايتون، لم تُنشِئ أمريكا نظاماً مالياً مُحايداً، بل نظام يخدم استقرارها الاستراتيجي. أصبح الدولار عملة الارتكاز، والذهب في الخزائن الأمريكية هو الضمان. من هنا ولدت مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، لا كجمعيات خيرية، بل كأدوات لإدارة النظام العالمي وفق قواعد تُكتب في واشنطن وتُطبق في بقية العالم.
ثم جاء عام 1971 حين فك الرئيس ريتشارد نيكسون ارتباط الدولار بالذهب. منذ تلك اللحظة أصبحت ديون الخزانة الأمريكية أصلاً عالمياً، تحتفظ به البنوك المركزية، كما تحتفظ بالجيوش والذخيرة. «البترو دولار» هنا، جعل الأمن القومي مسألة حسابات مصرفية. ثم كانت البنية التحتية الخفية.. شبكة التحويل (سويفت) التي سيطرت على مفاتيح التحويلات. من يسيطر على مفاتيح التحويل لا يحتاج الى احتلال أرض، يكفيه أن يضغط زراً ليجمد اقتصاد دولة كاملة. العقوبات الاقتصادية أصبحت سلاحاً استراتيجياً يعادل الحصار العسكري.
هكذا صنعوا ارتباط الهيمنة الاقتصادية بالأمن القومي.
ومع نهاية الحرب الباردة، حدث ما لم يُعلن: لم تعد القوة العسكرية وحدها هي جوهر الأمن القومي، بل أصبحت المنظومة الاقتصادية والمالية هي العمود الفقري للأمن. بالنسبة لأمريكا هذا العمود اسمه: الدولار، والنظام المالي، والسيطرة على التجارة، والطاقة، وسلاسل الإمداد.من هنا بدأ تعريف جديد: أي شيء يهدد هيمنة الدولار أو قدرة واشنطن على التحكم في تدفقات المال والطاقة.. هو تهديد للأمن القومي الأمريكي، حتى لو لم تُطلق رصاصة واحدة.
فنزويلا كانت تهديداً، لأنها جمعت ثلاثة عناصر حساسة. احتياطي نفطي ضخم، موقع جغرافي في»الفناء الخلفي» لأمريكا، ومحاولة ولو مُتَعثرة للخروج من النظام المالي الأمريكي.
فعلت فنوزيلا المُحَرم أمريكياً، بدأت تبيع النفط بعملات غير الدولار، وتتعاون مع قوى تنافس النظام الأمريكي اقتصادياً وترفض الامتثال للعقوبات المالية. هنا لا يعود الصراع حول الديمقراطية، أو حقوق الإنسان هذا (خطاب استهلاكي)، بل حول من يسيطر على الطاقة؟ وبأي عملة تُسَعّر؟ إذ تُرِكت فنزويلا تنجح في كسر القاعدة فالعدوى قد تنتشر. وهذا في منطق واشنطن خطر وجودي على النظام المالي، لا يقل أهمية عن صاروخ نووي.
أما غرينلاند فهي جزيرة صغيرة لا تملك نفطاً ضخماً مثل فنزويلا ولا جيشاً، لكنها تقع في المكان الذي سيُحَدد شكل القرن الحادي والعشرين.. القطب الشمالي. أما لماذا القطب الشمالي مهم؟ لأن فيه طرقاً تجارية جديدة تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا. بالإضافة الى معادن نادرة تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية.
تدور اليوم محاولات صَامتة ومُعلنة لمنع الولايات المتحدة من السيطرة التامة على غرينلاند. وتَعتبر أمريكا أن حاجتها للسيطرة عليها ضرورة للحفاظ على أمنها القومي، لأن وجودها في غرينلاند يعني التفوق المالي والسيطرة على طرق التجارة المستقبلية والوصول الى المعادن النادرة. لذلك كان الحديث عن شراء غرينلاند تعبيراً فجاً، لمنطق قديم بصيغة جديدة: من يسيطر على الجغرافيا، يسيطر على الاقتصاد، ومن يسيطر على الاقتصاد يسيطر على الأمن القومي.
هكذا أصبح الأمن القومي اليوم يعني باللغة الأمريكية: بقاء الدولار عملة مركزية للعالم، والسيطرة على نقاط الطاقة والاختناق الجغرافي ضرورة منعاً لنشوء أنظمة مالية أو تجارية بديلة.
الأمن القومي لم يعد دفاعاً عن الأرض، بل دفاعاً عن نظام مالي، وهنا المفارقة التي تُحوِّل أي خلاف اقتصادي.. إلى صراع وجودي.
*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

