: آخر تحديث

ماذا قال آرثر؟

4
4
3

آرثر شوبنهاور (1788–1860) فيلسوف ألماني، اشتهر بكتاب «العالم كإرادة وتمثيل»، وهو من أوائل فلاسفة التراث الغربي، الذين تبنوا مبادئ مهمة من الفلسفة الهندية، مثل الزهد، وإنكار الذات.

ترك آرثر، بعد وفاته، أثراً بالغاً في مختلف المجالات، بما في ذلك الفلسفة والأدب والعلوم، وأثرت كتاباته في علم الجمال والأخلاق وعلم النفس، وفي العديد من المفكرين والفنانين، ومن البشر العاديين، من أمثالي.

تعود أصول آرثر لأم وأب أرستقراطيين ألمانيين ثريين، وبالرغم من أن كليهما كانا بروتستانتيين، فإنهما لم يكونا متدينين، وكانا جمهوريي النزعة ومن محبي الثقافة الإنكليزية، ومن مؤيّدي الثورة الفرنسية.

لشوبنهاور أقوال عظيمة، وعميقة، طالما أعجبتني، تشبه أقوال الفيلسوف الفرنسي «فولتير»، وربما أثرت أقواله، ربما دون قصد، في الفنان «زياد الرحباني» وغيره، ومنها: لا يستطيع المرء أن يكون على طبيعته إلا وهو وحيد، فإن لم يُحبّ العزلة، فلن يُحبّ الحرية، لأنه لا يكون حرًا حقًا إلا وهو وحيد! وهذا أيضاً صحيح، فطالما أننا نعيش مع الآخرين، بإرادتنا أو بغيرها، فهذا إعلان بقبولنا التنازل عن جزء كبير من حريتنا. وكان سارتر يقول: الآخرون هم الجحيم.

ومن أقواله: غالبًا ما يكون الفقد هو ما يُعلّمنا قيمة الأشياء! وهذا دقيق أيضاً، فالصحة والرفقة الطيبة والأهل والوطن والأمان وغيرها لا نعرف قيمتها إلا بعد فقدها.

ومن أقواله، بتصرف: «كلما تواضع فهم الإنسان، وضاق أفقه، زاد ظنّه بأن حدود رؤيته هي حدود العالم!».

ويقول: من الصعب إيجاد السعادة في النفس، لكن من المستحيل إيجادها في أي مكان آخر، وان كل أحمق بائس لا يملك شيئًا يفتخر به، يتخذ من الفخر بالوطن الذي ينتمي إليه ملاذًا أخيرًا، فهو مستعد وسعيد للدفاع عن جميع عيوبه وحماقاته بكل قوة، معوضًا بذلك عن شعوره بالنقص! وهذا يؤكد مقولته الأخرى، بأنه ينبغي على المرء أن يستخدم كلمات بسيطة ليقول أشياء غير بسيطة.

ومن أفكاره العميقة: عندما نقرأ، يفكر شخص آخر نيابةً عنا: فنحن ببساطة نكرر عملية تفكيره. ففي تعلم الكتابة، يعيد التلميذ بقلمه تحديد ما رسمه المعلم بالقلم الرصاص، وكذلك في القراءة، فمعظم عملية التفكير قد أُنجزت مسبقًا. لهذا السبب نشعر بالراحة عندما نتناول كتابًا، بعد أن نكون منشغلين بأفكارنا. وفي القراءة، يكون العقل، في الواقع، مجرد ساحة لأفكار الآخرين. وهكذا، فإذا قضى أي شخص معظم يومه في القراءة، وخصص فترات الراحة لهواية لا تتطلب تفكيرًا، فإنه يفقد تدريجيًا القدرة على التفكير، تمامًا كما أن الرجل الذي يستعمل وسيلة نقل دائمًا، ينسى في النهاية كيف يمشي، هذا هو حال العديد من المتعلمين، الذين قرأوا حتى أصبحوا جهلاء.

وفي هذا السياق، يعتقد شوبنهاور أن «فن عدم القراءة» فنٌّ بالغ الأهمية، وهذا يتمثل في عدم الاهتمام بأي شيء قد يشغل انتباه عامة الناس في أي وقت. فعندما تُثير منشورات سياسية أو دينية، أو روايات، أو قصائد، ضجة كبيرة، تذكر أن من يكتب للسذج يجد دائمًا جمهورًا واسعًا. فالشرط الأساسي لقراءة الكتب الجيدة هو عدم قراءة الكتب الرديئة!

وما يثبت صحة هذه المقولة أن الكتب الجيدة لا تجد من يقرأها، والعكس صحيح، لكن هذه هي الطبيعة البشرية، فكيف يمكن تغييرها؟

ويقول: أغلبية البشر يفقدون ثلاثة أرباع أنفسهم ليكونوا مثل الآخرين! وهذا صحيح، فنحن نتأثر بالآخرين باستمرار، لو نظرنا لأنفسنا وطعامنا وطريقة لبسنا، والأفلام التي نسعى لمشاهدتها، والمدن التي نرغب في زيارتها، لوجدنا أننا غالبا ما نقوم بها لأن الآخرين قاموا بها قبلنا.. وهكذا.

* * *

‏من بين كل مئة شخص يوجد بالكاد شخص واحد يستحق أن نجادله، أما بالنسبة للآخرين، فنتركهم يقولون ما يريدون لأن من حق الناس أن يهذوا.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد