: آخر تحديث

وعي جديد

4
3
3

سارة النومس

من الصور التي تدور في ذاكرتي، هي صور الإهانة التي كانت تتعرض لها بعض الطالبات في المدرسة بسبب «كسلهن» وعدم قيامهن بالواجبات المدرسية، دون علم بظروف الطفلة التي تُوفيت والدتها ولا أحد يعلّمها في المنزل، أو التي تتعرض للعنف المنزلي ولا تستطيع الدفاع عن نفسها. لقد زاد الوعي في الآونة الأخيرة بخطورة التصرفات التي كانت تصدر في المدرسة ولا تزال موجودة حتى اليوم، في بيئة العمل.

لقد توارثنا العقد النفسية التي تعلمناها من الطفولة، داخل المدرسة، وأحياناً في المنزل عندما يقارن الوالدان ابنتهما أو ابنهما بابن قريب لهم «شاطر»، ويكسران شخصيته بأضعافها. إن مقطع فيلم «فتى الكاراتيه» عندما يتعرض للتوبيخ من مدربه وإخضاعه للعمل على صبغ المنزل وتنظيف السيارات لا يعني أن الطالب سيتفوق عندما «يُهان». هناك فرق بين طالبٍ كسول لا يرغب بالدراسة، وطالبٍ يعاني من صعوبات في التعلم، تخيّل أنه يحاول الاجتهاد مع ضغط المعلم وإهانته له، وقسوة الوالدين. إن عقل الشخص حينها أشبه بحربٍ ترقص فيها الجيوش بدلاً من القتال.

وينطبق ذلك في بيئة العمل، عندما «يتفلسف» بعض المدراء ويصفون بعض الموظفين بالكسولين، أو أغبياء أو غير أكفاء للعمل، ويقتلون طموح الموظف في التعلم والتطوير. فتمرّ السنون دون أن يعرف أي شخص ما الذي كان يحتاجه ذلك الموظف ليبدع في عمله؟ هناك اختبارات كثيرة في الشبكة العنكبوتية تحدد أنماط الشخصيات المختلفة، وما الذي يناسب كل شخص سواء العمل المكتبي أو العمل الميداني. هناك أشخاص يناسبهم التحليل والدراسة والاستنتاج، وآخرون مبدعون في التفكيك والربط والتركيب. لا يوجد شخص يستطيع القيام بالعملين في آنٍ واحد.

وهنا نوجه الأنظار إلى مشكلة كبيرة وهي قلة ثقافة الوالدين، وعدم وعي بعض المدراء في العمل. فكما تحرص الدول اليوم على توظيف الكثير من العاملين في مجال الأمن السيبراني، لا بد من توظيف العديد من الأخصائيين النفسيين في كل القطاعات. لقد استوعب الناس اليوم أهمية دراسة الحالة النفسية التي نعاني منها جميعاً، وليس شرطاً أن تكون المشكلة في النشأة أو نوع التربية، كي لا يوبخنا ويصرخ في وجهنا من يقول: (لقد ضربني والداي حتى سال الدم من جسدي، وها أنا بخير و«طبيعي»). إن عمل الأخصائي النفسي لا يقل أهمية عن عمل المدير، بل هو الأساس في دراسة الموظف ومعرفة «نقاط ضعفه» ومساعدته على حلّها أو اقتراح المكان الأنسب لذلك الموظف وأين سينجح. وقد يُقرر ما إذا كان المدير نفسه قادراً على الإدارة ويملك مقومات القيادة أم لا.

ليس شرطاً أن تكون الإعاقة جسدية أو ذهنية حادة، فهناك إعاقات نستطيع علاجها وتطويرها وتأهيلها للمجتمع. ومن المؤلم أن يُرمى هؤلاء بيد معلمين ومدراء قليلي فهم ووعي، ومن الوالدين أيضاً. لا بأس باستخدام الوالدين أو المعلمين أو حتى المدراء للذكاء الاصطناعي في إرشادهم وتعليمهم والتوقف عن نعت الآخرين بالأغبياء. فكل «غبي» بنظرنا القصير هو ذكي في مجال نجهله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد