ثمة تقليدٌ مألوفٌ في بعض وسائل الإعلام وبالذات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية، على أن تتوِّج العدد الصادر من صحيفة أو مجلة في اليوم قبْل الأخير من العام، باختيار شخصية ذات تأثير في اتخاذ خطوات أو قرارات ذات فعالية على صعيد الدولة التي يترأسها مَن هو شخصية العام، أو تكون لخطوات أو قرارات يُصدرها ذات تأثير فوري أو على المدى القصير بالنسبة لأوضاع في دول أُخرى.
وكنَّا بالنسبة إلى الدولة العظمى الولايات المتحدة نترقَّب صدورَ العدد الأخير من السنة لمجلة «تايم»، لنرى مَن هو الذي وضعت صورته على غلافها «رجل العام»، ومثْل هذا التقليد من جانب «مجلة تايم» كان يلقى في نفس مَن اختارته الابتهاج كونه يميزه عن سائر الرؤساء.
إلى التقليد المشار إليه كانت أطياف من الرأي العام تتابع بدورها، بحُكم الرصد الدائم، العمل السياسي واتخاذ القرارات من جانب كوكبة من رؤساء دول العالم. وكثيراً ما كان الحديث في مجالس الأطياف المشار إليها يتناول ما أنجزه هذا الرئيس أو ذاك مع تصنيف الإنجاز، بحيث إذا وصل إلى الرقم الأعلى يُعتبر هذا الرئيس «رجل العام».
في العام الذي ودعناه أمس الأربعاء، كان الرئيس دونالد ترمب حاضراً في كل يوم من أيام العام، والحضور يتسم بقرارات لم يسبق أن تجرَّأ رئيس للولايات المتحدة على اتخاذها، سواء بالنسبة إلى قضايا تنحصر في الدولة الأميركية، أو بالنسبة إلى العلاقات مع دول العالم، وبالذات حيث المصالح الأميركية التجارية في الدرجة الأساس تتأثر بفعل ما يتم استحداثه في تلك الدول، مما يأخذ من عوائد الشركات الأميركية.
إلى ذلك نرى «رجل العام» (الرئيس ترمب) يمسح بتوقيعه مهابة بعض الذين سبق أن ترأسوا الدولة الأميركية، ويتخذ من القرارات ما بدا يعكس جنوحه نحو المواجهة مع آخرين، وهذا يتمثل بتغيير تسمية وزارة الدفاع (البنتاغون) بحيث بات اسمُها «وزارة الحرب»، كما يستبدل تسمية مركز ثقافي أقيم تكريماً للرئيس جون كينيدي الذي قضى اغتيالاً، بإطلاق اسم «مركز ترمب الثقافي» بدلاً من «مركز جون كينيدي الثقافي».
ما هو مهم في العام الترمبي هو وضْع حالة «حماس» و«مصير غزة» على طريق الحسم. لكن ذلك سيبدو أكثر وضوحاً وربما حسماً في ضوء زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى فلوريدا هذه المرة، التي باتت تندرج لكثرة القيام بها تقليداً لم يحظَ به رئيس حكومة إسرائيلية مِن قبْل.
ثمة أرقام تؤكد ارتباك الوضع الاقتصادي الذي تدهور حاله بعد الحرب البنيامينية على غزة، والصواريخ التي استهدفت مواقع أساسية داخل إسرائيل من بينها مطار بن غوريون، وثمة معلومات مفادها أن ملياريْ دولار تحتاج إليها إسرائيل البنيامينية راهناً، لإعادة ترميم الوضع عمرانياً وصناعياً وسكنياً.
وهنا تصبح زيارة نتنياهو بين المناسبة الميلادية ومناسبة انقضاء عام 2025 زيارة مَن يريد مِن «رجل العام» إنقاذ ما في الإمكان إنقاذه.
تكتمل مواصفات «رجل العام» بالنسبة إلى الولايات المتحدة، و«رجل العام» لثلثيْ دول العام حيث تأثير سياسته، وقراراته تشكِّل إقلاقاً لشعوب هذه الدول مِن رفْع منسوب الإنذار، فالتهديد إلى حالات حربية تؤدي مع التكرار إلى اضطراب أنظمة فسقوطها.
تكتمل المواصفات في حال أخذت كفة إحقاق الحق نصيبها من رئيس الدولة العظمى دونالد ترمب، بحيث لا تفوته فرصة الاهتمام بالوضع الصحي المتدهور سكنياً في غزة، واستمرار القصف بين حين وآخر على بيوت، كما الحال مع جنوب لبنان الذي لم يهنأ بما فيه الكفاية بوعود «رجل العام» ترمب عبْر مبعوثيه، بأنه حريص على هذا الوطن المستباح. ومثْل هذا الاهتمام الذي نشير إليه لا يتحمل انتظار إعادة إعمار غزة أولاً، ولا استكمال وضْع اليد الإسرائيلية وبعض الشركات النفطية والغازية الأميركية على بقية ثروة فلسطين، ونعني بها كميات النفط في حقول سواحل غزة، شأنها في ذلك شأن حقول «فلسطين المحتلة» في سواحل حيفا والرملة وعسقلان. وما يخص نفط سواحل غزة، فإنه يتصل بتدمير القطاع لكي يصبح إسرائيلياً وبارتضاء الولايات المتحدة لذلك.
في ضوء ما أوردناه ألا يبدو الرئيس ترمب أنه «ترمب رجل العام» في نظر أكثرية شعوب الولايات المتحدة بمختلف أصولهم، ومِنها الأصل الاسكوتلندي للرئيس ترمب، لكنَّه في واقع الحال ومِن قبل التكهن بما سيكون عليه عام 2026، هو «رجل العام الأممي»، وتلك حالة لم يسبق أن ارتبطت بشخص رئيس أميركي.
وكل عام ونحن نترقب المأمول مِن هذا «الرجل الاستثنائي».

