للمملكة العربية السعودية مكانتها الراسخة والقوية التي لا تُستعار، ولا تُستحدث، بل تُستمدّ من تاريخ عريق صَنَعَ التوازن حين اختلّ، وأعاد الاعتبار للعقل حين طَغَتِ المغامرة، وبَسَطَ منطق السلام في إقليم أنْهَكَتْهُ الصراعات وتشابكت فيه المصالح والنفوذ.
فمن هذا الموقع تضطلع المملكة بدور عظيم، بوصفها ركيزة الاستقرار، ورمّانة الميزان، لا بصخب المواقف، بل بجدّية التعاطي مع الأزمات، والمواقف، والتحديات، وبثقل الحكمة، والحنكة، وبراعة الرؤية والاستبصار، وعمق المسؤولية.
ففي إقليم -قَدَرُهُ- أن يكون على امتداد حقبه، وأطواره، بالغ التعقيد، تتقدّم المملكة دوماً بوصفها مرجعية اتزان، لتؤديّ دورها التاريخي في إرساء التوازن، وفي فتْح مسارات التهدئة حين تضيق الخيارات، يدفعها إلى ذلك حسّها المسؤول، وإدراكها الراسخ بأنّ أمن الإقليم كُلُّ لا يتجزّأ، وأن الفوضى مهما تلوّنت وتلبّست لبوساً مُضلّلاً، لا تخلّف، ولا تترك سوى التذرّر والتفتّت والانقسام، وكذلك الاضطراب.
ومن هنا، يبدو واضحاً لكل متابع، مُضِيّ المملكة في نهجها الثابت الرصين، في تحييد أسباب التوتر، وخلْق المناخ الملائم أمام المعالجات الواقعية التي تضع المصلحة العامة في قائمة أولوياتها، وتُغلّب الحكمة على الحسابات الضيّقة.
ووفقاً لتلك الاعتبارات، بات من الطبيعي أن تبرز مؤشرات التهدئة على الأرض –فيما يخص ما يحدث حالياً في اليمن الشقيق- ومنها مغادرة بعض قوات المجلس الانتقالي مواقعها، وهي خطوة قوبلت بارتياح واسع. وقد عبّر عن ذلك مراقبون عالميون عبر ارتياحهم لتلك الخطوة في طريق السلام والتهدئة.
كما عبّر عن ذلك محافظ حضرموت، حين أشار بتفاؤل عن سعادته بما حدث من مغادرة، عادّاً إياه حدثاً مُبشّراً بطلائع الخير -بحسب وصفه-، وأنه سيكون مُمّهداً لعودة الأمور إلى نصابها الصحيح.
هكذا هو قَدَرُ المملكة، أن تبقى نقطة الاتزان حين تميل الكفّات، وهو قدر لا يُنال بالادعاء، بل يترسّخ ويثبت بالفعل المتراكم، والرؤية البعيدة، وهو ما يستوجب من المحيطين والجيران تناغماً واعياً مع هذا الدور، وإدراكاً بأن الاستقرار لا ينتزع بالقوة، بل يصان بالحكمة، والأناة، والتوافق.

