: آخر تحديث

عام الفطام عن أميركا

2
2
2

«العلاقة القديمة مع الولايات المتحدة انتهت»، قالَها رئيسُ الوزراء الكندي مارك كارني مطلعَ العام المنصرم، وقبل أيام أكَّد واثقاً أنَّ «العالم بمقدوره أن يحرز التقدّمَ من دون أميركا»، معتبراً أنَّ الحديث مع الرئيس ترمب ممكنٌ حين تصبح له أهمية. ليست كندا وحدَها التي تحاول أن تتعود الفطام المرّ عن القوة العظمى، بل العالم أجمع لم يعد يسأل إن كانت أميركا فقدت مركز القيادة. البحث يتركز على كيفية استبدال النظام القديم الذي يتهاوى، بآخر لم تتضح معالمه، بأقل الأضرار الممكنة.

أوروبا في ذعر، وهي تخسر حرب أوكرانيا، وفوقها غرينلاند التي يصرّ على انتزاعها ترمب، وتفقد الدعم العسكري من حلف الناتو، وهي في أسوأ أحوالها الاقتصادية. مناخات سوريالية تسود الكوكب، ومشاهد لم نكن نتصورها حتى في الخيال باتت تبدو عادية.

الأسوأ من التراجع الأميركي هو أن «ما كنا نسميه سابقاً الغرب لم يعد موجوداً»، هذا رأي المستشار الألماني فريدريش ميرتس. وجاءت استراتيجية الأمن القومي الأميركي، بكل ما حملته من اتهامات وانتقادات لأوروبا لتصبح بمثابة «ورقة طلاق» بين الطرفين، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال». أميركا تريد تخفيف أحمالها، لتعتني بتضميد جراحها، من دون أعباء الدفاع والإنفاق وحماية الأوروبيين «الفاشلين» الذين وجدوا أنفسهم عراة من دون مظلة حمتهم لمائة سنة.

لكن أميركا لا تزال تحتفظ بعناصر قوة لا يستهان بها، مع أعراض الانهيار. «والإمبراطوريات تصبح أشد خطورة ورغبة في البطش، وهي تفقد سطوتها»، على رأي العلّامة الفرنسي إيمانويل تود. وهو ما تدركه الصين، التي تتقدم بحذر وتقية، بينما ترتقي سلم الازدهار الاستثنائي الذي تحققه.

من الأخبار الأكثر إثارة نهاية العام الماضي، أن الصين، رغم الحصار والضرائب الجمركية التي وصلت أحياناً إلى 100 في المائة وفرض أميركا عقوبات على آلاف الشركات الصينية، تمكنت من تحقيق فائض تجاري بلغ تريليون دولار، خلال 11 شهراً فقط. رقم تاريخي، جعل معلقين يعتبرونها لحظة فاصلة، تثبت أن أميركا خسرت الرهان. زادت الصادرات بنسبة 5.4 في المائة، مقارنة بالعام الماضي. وهذا دليل على أن للصين بنية صناعية لا تقهر، ولكنها أيضاً تتمتع بتشبيك تجاري عالمي هائل.

بِمَ استبدلت الصين الأسواق الأميركية بهذه السرعة؟ وكيف؟ من مهزلة الأقدار أن تصبح أميركا اللاتينية، التي يعدّها ترمب حديقته الخلفية، المركز الأقوى لبيع البضائع الصينية، حيث صدّرت إليها خلال عام بـ500 مليار دولار، وهو تماماً ما كان يصدر لأميركا حيث انخفضت الصادرات إليها أكثر من النصف. التعويض في روسيا أيضاً جاء بـ100 مليار دولار. أرقام دوّخت الأميركيين، وأصابتهم بصدمة.

تباهي الصين بأنها تعرضت كما أميركا لكارثة طبيعية سنة 2025 حيث ضرب زلزال كبير مقاطعة دينغري في التبت، مثلما اندلع حريق في لوس أنجلوس. لكن الصين تمكنت من إجلاء 50 ألف شخص في يوم واحد، بينما بقيت حرائق لوس أنجلوس مشتعلة 10 أيام، والهلع لم يهدأ، وسط خلافات وعجز عن الاستجابة.

أحد الصينيين المؤثرين هو البروفسور وانغ وين، عميد «معهد تشونغ يانغ للدراسات المالية» و«كلية القيادة العالمية» بجامعة رنمين الصينية، كتب مؤخراً مقالة في «بوليتيكو» عنوانها «استراتيجية الصين لإزالة أميركا» أثارت اهتماماً بالغاً. إذ يشرح هذا الباحث الذي له موقعه، والصينيون حين يكتبون بالإنجليزية لا يمثلون أنفسهم، أن الصين لا تسعى لإلغاء أميركا، وإنما للتعددية، وهي ضد التحالفات التجارية والأمنية الإقصائية، ولا تريد المواجهة، وإنما «الاستقلالية الاستراتيجية»، وهذا يتحقق لها. وهي لم تكن تسعى إلى ذلك، وإنما دفعت إليه تحت ضغط العقوبات، والمطاردات، والحصار.

وتعمل الصين على 5 مجالات أساسية: التجارة، والتكنولوجيا، والتمويل، والآيديولوجيا، والتعليم.

استراتيجية الصين تتمحور حول تخفيض هيمنة الدولار لتفادي العقوبات، وبات واضحاً أن البنوك المركزية تزيد من مخزونها من الذهب والعملات الأخرى على حساب العملة الأميركية. وفي التكنولوجيا بالالتفاف على الاحتكار الأميركي، كذلك تقوية النظام التعليمي الصيني، للحدّ من عدد المتخصصين في الخارج الذين يبقون في أميركا وأوروبا. وهذا أنجز بعد أن اتخذ ترمب إجراءاته اتجاه الطلاب الأجانب، إذ بقي بعدها 92 في المائة من الخريجين في الصين.

الطريف أن الصينيين باتوا يعتبرون ترمب أفضل معلم في العلوم السياسية بإجراءاته العقابية. فهو الذي علّمهم كيف يستعجلون استقلالهم التكنولوجي والاستراتيجي، حتى التعليمي، بل روسيا، وربما العالم أجمع، تعلم الدرس، وهو ما يستحق الشكر عليه.

في السنة المقبلة سنشهد مرحلة جديدة في رحلة الانتقال من الأحادية إلى التعددية، لكن ليس دون أثمان باهظة، رغم التطمينات الصينية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد