: آخر تحديث

قصَّة مكرَّرة

2
2
2

نهاية العام الميلادي موعدٌ ثابتٌ للجدل بشأن جواز أو عدم جواز الفرح بعيد الميلاد ورأس السنة والتهنئة بهما. ويتبارى المتحدثون والخطباء؛ بعضهم في بيان فوائد التهنئة، وبعضهم في بيان الرأي المعاكس. ويستمر الجدل طيلة الأسبوع الأخير من كل عام، ثم تأتي الشواغل فتأخذ المتابعين إلى قضايا أخرى، في انتظار نهاية العام الجديد... وهكذا.

يبدو أننا نتَّجه إلى أن نكون أقل عصبية؛ ففي السنوات الأخيرة لم يعد ذلك الجدل ملتهباً، كما كان قبل عقد من الزمن، أو لعلَّ نفوسنا قد تعبت من النزاع على الأمور الصغيرة، فما عاد يشارك في الجدل السنوي سوى أقلية من الناس. وفي موازاة هذا، سمعنا أصواتاً مهمة تدعو إلى تجاوز هذا الجدل، واحترام الأديان بشكل عام، سواء أتجسَّدت في ممارسات دينية، أم في أعراف ومناسبات اجتماعية. وفي هذا السياق، تحدَّث شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والأمين العام لـ«رابطة العالم الإسلامي» الدكتور محمد العيسى، وكلاهما أنكر صراحة وجود أي دليل معتبر يعارض تهنئة غير المسلمين بالمناسبات الدينية والاجتماعية، مثل عيد الميلاد وغيره.

أميل إلى الظَّن أنَّنا سوف نتعلم التسامحَ في نهاية المطاف، لكنّي آمل ألا يأتي بطريقة عسيرة أو مؤلمة، أي بعد أن نتحمل النتائج السيئة للتعصب الديني والسياسي. هذا ما حدث في أوروبا التي ذاقت ويلاتِ الحروب بأسماء؛ الدين، والقومية، والكرامة الوطنية، حتى اقتنعت بأنَّ شرطَ الحياة الكريمة هو التسامحُ والإقرار الصريح بحرية الاعتقاد، والحق المتكافئ للجميع في اتخاذ ما يرونه مناسباً لقناعاتهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.

يبدو مبدأ التسامح بسيطاً على مستوى الجدل اللفظي. وأذكر ندوة حوارية عُقدت في العراق، قدم فيها أستاذ معروف مرافعة طويلة عن السعادة التي نَعِم بها غير المسلمين في المجتمعات المسلمة، وحين انتهى، قدم واحدٌ من الحاضرين مرافعة مضادة، تُظهر أنَّ المواطنين غير المسلمين قد انخفضت نسبتهم من 7.5 في المائة بمنتصف القرن العشرين إلى أقل من واحد في المائة راهناً. وتكرر هذا الأمر بنسب مقاربة في دول أخرى. وعقَّب متسائلاً: «إذا كانوا سعداء، فلماذا غادروا؟ وإذا كان السببُ هو الميلَ العامَّ عند المواطنين للهجرة، فلماذا معدل الهجرة مضاعف بين غير المسلمين؟».

الواضح أننا نجيد تسطير المدائح في تساهلنا مع المختلفين عنا، ونستدل على ذلك بقصص منتقاة من تاريخ يمتد مئات السنين، لكنَّنا نتناسى عنصرين مهمين جداً، يذكرهما عادة الطرف الآخر في القضية. العنصر الأول: في مقابل حالات الإحسان واللين، ما عدد حالات الإساءة والخشونة؟ والعنصر الثاني؛ وهو الأهم: هل ينطلق تسامحنا ولِينُنا المفترض من إقرارٍ بحقِّ غير المسلم في اختيار دينه، والممارسة الطبيعية لطقوسه وعاداته، مثلما نفعل نحن إذا أقمنا في بلاد أخرى؟

مبدأ التسامح لا يعني الملاينة والتساهل. التسامح هو الإقرار - على المستويين الفكري والقانوني - بحق كل فرد في اتباع المعتقد الذي يطمئن إليه، والمبدأ وطريقةِ العيش اللذين يختارهما، ما دام يلتزم القانون الذي يكفل المساواة بين الجميع، ولم يكن في عمله عدواناً على أحد. فما القواعد التي تنسجم مع هذا المبدأ في تراثنا وفي ثقافتنا العامة؟

إن تكرار الجدل بشأن عيد الميلاد، وجواز الاحتفاء به، وتهنئة الجيران والأصدقاء، فيه دليلٌ واضح على أن التسامح الذي نمتدحه في أنفسنا وتاريخنا ليس تسامحاً في الحقيقة، بل هو أقرب إلى الملاينة، وهي - دون ريب - من مكارم الأخلاق ولوازم التعايش بين الناس، لكنها لا تنطوي على الجزء الجوهري من المسألة، أي الإقرار للآخرين بالحق الذي سبق أن أعطيته لنفسك: الحق في أن تؤمن كما تشاء، وتعبد كما تشاء، وتسعى إلى الخلاص الأخروي في الطريق التي تطمئن إليها، دون جبر أو مزاحمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد