سارا القرني
في زمن يصفّق فيه الناس للوقاحة باعتبارها «صدقاً»، ويهلّلون للفظ الجارح وكأنه جرأة محمودة، بدأت العلاقات تهتز، والأرواح تنكمش على نفسها خوفاً من كلمات لا رقيب لها ولا حسيب.
ليست كل صراحة تُعَدّ فضيلة، فهناك صدق يُقال بلُطف ويُعبّر عنه بحنان، وهناك «صراحة» تأتي على هيئة طعنة، تخلع الطمأنينة وتزرع الشك.
حين تقول لصديقك ما لا يُقال، وتُلقي بحكمك عليه دون فهم كامل، وعندما تبرر قسوتك بكلمة «أنا صريح»، فأنت لا تبني جسورًا.. بل تحفر خنادق يصعب الخروج منها.
الصراحة لا تعني أن نُفرغ ما في قلوبنا كما هو، دون تهذيب أو احترام لمشاعر من أمامنا، ولا تعني أن نُرضي ذواتنا بإيذاء غيرنا تحت شعار «أنا أقول الحقيقة».
نعم، نحتاج إلى الصراحة، ولكننا نحتاج قبلها إلى ذكاء المشاعر، إلى تقدير اللحظة، إلى معرفة الفارق بين «أن تقول» و«كيف تقول».
النفوس المرهقة لا تتحمّل طعنات «الناصحين» المتخفّين في عباءة المحبة، والمشاعر الرقيقة لا تعيش طويلاً وسط ضجيج القسوة المُغلفة بالصدق.
فلنعد النظر فيما نقول، لا لأننا نكذب، بل لأننا نحب.. ومن يحب، يختار كلماته كما يختار الهدايا الثمينة: بعناية، وتقدير، واحترام.
فما أكثر من نحبهم، لكننا نخسرهم بكلمة لم نُدرك وقعها، أو نظرة لم نكترث لتأثيرها.. وهكذا نمضي، نبتسم أمام الناس، بينما في داخلنا نرثي علاقات كانت يوماً ملاذاً آمناً.
فلننتبه: نحن لا نُختبر فقط فيما نقوله، بل في «كيف نقوله»، وفي «متى نصمت».

