: آخر تحديث
الكهرباء والأمن والانقسام المؤسسي تضغط على المشهد الليبي

الأمم المتحدة ترى ليبيا أمام مرحلة حاسمة تتطلب إرادة سياسية وتنازلات

2
2
2

إيلاف من نيويورك: دخلت العملية السياسية في ليبيا، وفق الأمم المتحدة، مرحلة حاسمة تتجاوز مجرد ردم الهوة بين الأطراف السياسية إلى استعادة قدرة الدولة على تلبية احتياجات المواطنين وإدارة مواردها بمسؤولية في ظل مؤسسات موحدة، بالتوازي مع توفير الأمن وبناء القدرة على الصمود أمام المخاطر الاجتماعية والبيئية وغيرها التي تواجه البلاد.

وقالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، إن الحاجة إلى دفع العملية السياسية قدماً "لا تزال أمراً بالغ الأهمية"، واضعة توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات شاملة في صدارة متطلبات المرحلة المقبلة.

وجاءت تصريحات تيتيه، التي ترأس أيضاً بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا "أونسميل"، خلال إحاطة عبر اتصال بالفيديو أمام اجتماع لمجلس الأمن خُصص لمناقشة الوضع في ليبيا.

مرحلة حاسمة قبل الانتخابات
ربطت تيتيه التقدم في المسار السياسي بقدرة الأطراف الليبية على إظهار الإرادة السياسية والاستعداد لتقديم التنازلات، مع إعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية ومصالح الليبيين في أنحاء البلاد.

وقالت: "نحن الآن بصدد مرحلة حاسمة تتمثل في تعزيز المؤسسات الموحدة وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات شاملة. وهذا يتطلب إرادة سياسية واستعدادا لتقديم تنازلات من جانب الأطراف الليبية المعنية، مع إعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية ومصالح الشعب الليبي في جميع أنحاء البلاد. كما يعد الدعم الدولي المستمر والمنسق أمرا جوهريا".

وتحدثت المسؤولة الأممية عن التقدم المحرز في الركائز الثلاث لخارطة الطريق التي تستهدف مساعدة ليبيا على المضي نحو إجراء الانتخابات وإنهاء الترتيبات الانتقالية المتعاقبة واستعادة وحدة المؤسسات الوطنية وتماسكها وشرعيتها.

"المجموعة المصغرة" بعد تعثر التقدم
ضمن هذا المسار، أشارت تيتيه إلى تشكيل "المجموعة المصغرة"، المعروفة أيضاً باسم لجنة 4+4، بعد تعثر التقدم بشأن إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والإطار الدستوري والقانوني داخل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

ومع اقتراب المجموعة المصغرة من اختتام أعمالها، تنتقل الأنظار إلى المحطة التالية في خارطة الطريق.

وقالت تيتيه: "فإننا ندرس حاليا أفضل السبل للمضي قدما نحو المحطة التالية في خارطة الطريق، والمتمثلة في الدفع نحو توحيد الحكومة والمؤسسات القادرة على قيادة البلاد نحو الانتخابات".

وتطرقت أيضاً إلى الاختتام الناجح لعملية الحوار المهيكل، التي تمثل إحدى ركائز خارطة الطريق.

لكن تنفيذ الخارطة قد يحتاج إلى فترة أطول من تلك التي كانت متصورة في البداية.

وفي هذا السياق، قالت تيتيه إن ذلك "لا يعني فقدان البوصلة، بل هو تكيف ضروري مع الواقع السياسي وآراء الأطراف الليبية المعنية والشركاء الدوليين".

الكهرباء تكشف عواقب التشرذم
وبعيداً عن المسار السياسي المباشر، وضعت أزمة الكهرباء جانباً آخر من المشهد الليبي تحت الضوء.

وقالت تيتيه إن الانقطاعات واسعة النطاق في التيار الكهربائي مؤخراً، وما رافقها من استياء شعبي تفاقم بفعل موجة حر طويلة الأمد، كشفت عواقب التشرذم المؤسسي وتحويل الموارد العامة على نطاق واسع ونقص الاستثمار وغياب التنسيق في اتخاذ القرار.

واستمرت أزمة انقطاع الكهرباء حتى آب (أغسطس)، كاشفة، بحسب المسؤولة الأممية، عن مفارقة صارخة بين حجم الإنفاق على استيراد الوقود واستمرار تعرض أنظمة الكهرباء لنقصه.

ووفقاً لبيانات المؤسسة الوطنية للنفط، يتم إنفاق ما يقرب من مليار دولار أميركي شهرياً على استيراد الوقود، ومع ذلك تظل أنظمة الكهرباء عرضة لنقص الوقود.

احتجاجات وعصيان مدني
لم تبق تداعيات أزمة الكهرباء محصورة في الخدمات، بل امتدت إلى الشارع.

وأشارت تيتيه إلى "حالة السخط الشعبي" التي أفضت إليها الأزمة، ولا سيما في غرب ليبيا، حيث شهدت البلاد احتجاجات متفرقة وانطلقت حملة عصيان مدني بين 26 و29 تموز (يوليو).

وفي تناولها للمسار المالي الأوسع في البلاد، دعت المسؤولة الأممية جميع الأطراف السياسية والمؤسسات الليبية إلى تحمل مسؤولياتها كاملة في دعم المصرف المركزي ومحافظه أثناء ممارستهما لمهامهما المشروعة.

الساحل الغربي أمام مخاطر أمنية
وبموازاة التحديات السياسية والاقتصادية، حذرت تيتيه من هشاشة المشهد الأمني على طول الساحل الغربي لليبيا.

وقالت إن "الأوضاع الأمنية على طول الساحل الغربي لليبيا محفوفة بالمخاطر، في ظل التنافس بين جهات مسلحة ضالعة في أنشطة غير مشروعة تشمل الاتجار بالمخدرات والبشر وتهريب الوقود".

وأشارت إلى الاتفاق بشأن الترتيبات الأمنية في طرابلس، الذي نتج عن حوار جرى مؤخراً بين الحكومة وجهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

وبحسب تيتيه، من شأن هذا الاتفاق المساعدة في تخفيف حدة التوتر في طرابلس وإفساح المجال أمام نهج أكثر شمولاً فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية.

اغتيال في بنغازي يعيد العنف إلى الواجهة
وتوقفت المسؤولة الأممية كذلك أمام حادثة العنف التي وقعت في بنغازي في 10 آب (أغسطس)، وتمثلت في اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني الليبي، في حادثة تفجير سيارة.

وقالت تيتيه: "يبرز استمرار العنف في ليبيا الحاجة إلى الحفاظ على المؤسسات الأمنية الوطنية".

وتضع هذه الحادثة، إلى جانب المخاطر الأمنية على الساحل الغربي والتوترات المتعلقة بالترتيبات الأمنية في طرابلس، الملف الأمني ضمن التحديات التي تتزامن مع مساعي دفع العملية السياسية نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات.

مخاوف من استهداف النساء
وفي جانب آخر من إحاطتها، أعربت رئيسة بعثة "أونسميل" عن القلق من تزايد خطاب الكراهية والترهيب والمعلومات المضللة التي تستهدف النساء وتسعى إلى إسكات أصواتهن أو تهميشها.

وأشارت إلى مقطع فيديو ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي خلال تموز (يوليو)، يُظهر تعرض امرأة للجلد علناً على يد الشرطة القضائية في سبها.

ورحبت تيتيه بالدعوة الفورية التي وجهتها السلطات الليبية لإجراء تحقيق في الواقعة، لكنها قالت إن "هذا الحادث يبرز مجددا الحاجة الملحة إلى احترام الإجراءات القانونية الواجبة والضمانات القانونية والتزامات ليبيا في مجال حقوق الإنسان".

الهجرة والخدمات الإنسانية
وامتدت تحذيرات المسؤولة الأممية إلى الخطاب المتعلق بالهجرة والمعلومات المضللة، وما يترتب عليهما من تأثير في الفئات المستضعفة والاستجابة الإنسانية.

وقالت إن "الخطابات المناهضة للهجرة والمعلومات المضللة لا تزال تلحق الضرر بالفئات المستضعفة وتعيق الاستجابة الإنسانية".

كما أوضحت أن استمرار إغلاق مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أدى إلى مزيد من الحد من فرص الحصول على خدمات الحماية الأساسية.

وبذلك تضع إحاطة تيتيه المشهد الليبي أمام مجموعة مترابطة من التحديات: عملية سياسية تحتاج إلى دفع جديد، ومؤسسات تسعى الأمم المتحدة إلى توحيدها تمهيداً لانتخابات شاملة، وأزمة كهرباء كشفت تداعيات التشرذم المؤسسي ونقص الاستثمار وغياب التنسيق، إلى جانب سخط شعبي ومخاطر أمنية ومخاوف مرتبطة بالنساء والهجرة والخدمات الإنسانية.

وفي قلب هذه الملفات، تتمسك الأمم المتحدة بخارطة الطريق رغم إقرارها بأنها قد تحتاج إلى وقت أطول مما كان متصوراً في البداية، معتبرة أن المرحلة المقبلة تتطلب إرادة سياسية وتنازلات من الأطراف الليبية، إلى جانب دعم دولي مستمر ومنسق، للوصول إلى مؤسسات موحدة قادرة على قيادة البلاد نحو الانتخابات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار