إيلاف من لندن: دفعت المملكة العربية السعودية باتجاه إعادة ضبط المعادلة الأمنية على حدودها مع العراق، عبر مسار تنسيقي متسارع جمع القيادات الأمنية والاستخباراتية في البلدين، وركز بصورة مباشرة على منع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لتهديد الأمن السعودي، ولا سيما عبر الطائرات المسيّرة والجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة.
وبحسب تقرير بثته فرانس 24 الأحد، جاءت التحركات الأخيرة في أعقاب اتصالات وزيارات أمنية رفيعة بين الرياض وبغداد، انتهت إلى تفاهمات بشأن أمن الحدود وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مواجهة تهديدات المسيّرات، وسط دعم أميركي للمسار الأمني الجديد.
معادلة الرياض
وتكشف طبيعة المباحثات أن الرياض لم تتعامل مع التصعيد الأخير بوصفه حادثاً حدودياً عابراً، بل باعتباره ملفاً يمس الأمن الوطني السعودي بصورة مباشرة، خصوصاً بعد اتهامات لجماعات عراقية باستخدام الأراضي العراقية لشن هجمات أو الإعداد لهجمات تستهدف المملكة.
وفي هذا السياق، ركزت السعودية على الحصول على التزامات واضحة من بغداد بمنع أي جماعة مسلحة من تحويل الأراضي العراقية إلى منصة تهديد للمملكة، مع تفعيل آليات عملية للتنسيق الأمني والاستخباراتي، بدلاً من الاكتفاء بالتعهدات السياسية.
وكان رئيس الاستخبارات العامة السعودية خالد الحميدان قد زار بغداد والتقى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في خطوة عكست مستوى الاهتمام الذي توليه الرياض للملف، ورسخت في الوقت نفسه حضور السعودية طرفاً رئيسياً في صياغة الترتيبات الأمنية الإقليمية المرتبطة بالحدود العراقية.
ضمانات عراقية
ووفق المعلومات التي أوردتها "فرانس 24"، حصل الجانب السعودي على ضمانات عراقية بالتحرك الفوري ضد الجماعات التي يثبت تورطها في استهداف المملكة أو الاستعداد لتنفيذ هجمات ضدها.
وتتضمن التفاهمات أيضاً تبادل المعلومات بشأن الجماعات التي تشكل تهديداً محتملاً للأراضي السعودية، إلى جانب تعاون تقني في مجال الدفاع الجوي، بما يساعد على رصد الطائرات المسيّرة والتعامل معها قبل تحولها إلى تهديد فعلي للحدود أو المنشآت الحيوية داخل المملكة.
كما تحدث التقرير عن إنشاء خلية عسكرية مشتركة لمراقبة نشاط المسيّرات في المناطق الحدودية، وهي خطوة، إذا ما جرى تنفيذها بصورة كاملة، ستمنح الرياض وبغداد آلية مباشرة لمتابعة التهديدات في الوقت الحقيقي وتضييق هامش حركة الجماعات المسلحة.
وفد رفيع
وفي مؤشر على أن بغداد تتعامل بجدية مع المطالب الأمنية السعودية، أرسلت الحكومة العراقية وفداً أمنياً واستخباراتياً رفيع المستوى إلى الرياض، ضم عدداً من أبرز المسؤولين العسكريين والأمنيين.
وحملت تركيبة الوفد دلالة واضحة على أن الملف لم يعد محصوراً في القنوات الدبلوماسية، بل انتقل إلى مستوى أمني وعسكري تنفيذي، يشمل الدفاع الجوي والاستخبارات ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود.
وجرى خلال الاجتماعات بحث سبل منع انطلاق أي تهديدات من الأراضي العراقية باتجاه المملكة، إلى جانب تعزيز تبادل المعلومات ورفع مستوى التنسيق الميداني بين الأجهزة المعنية في البلدين.
أولوية سعودية
وتعكس التحركات الأخيرة أولوية سعودية ثابتة تتمثل في حماية أراضي المملكة ومنشآتها الحيوية وفرض معادلة ردع تمنع استخدام دول الجوار منصات لتهديد أمنها.
فالرياض، التي واجهت خلال السنوات الماضية أنماطاً متعددة من الهجمات العابرة للحدود، تبدو أكثر تشدداً اليوم في التعامل مع مصادر التهديد، وأكثر ميلاً إلى الجمع بين الأدوات الاستخباراتية والدبلوماسية والعسكرية لضمان عدم تكرارها.
وفي المقابل، تدرك بغداد أن استمرار أي نشاط مسلح يستهدف السعودية انطلاقاً من الأراضي العراقية سيضعها أمام أزمة مباشرة مع واحدة من أهم القوى العربية والإقليمية، ويضر بمصالحها السياسية والاقتصادية في وقت تسعى فيه إلى توسيع علاقاتها مع المملكة.
ما بعد الأمن
ولا يتوقف المسار السعودي العراقي عند الملف الأمني. فالمباحثات الجارية تمهد أيضاً لمرحلة أوسع من التعاون، تتقدم فيها الملفات الاقتصادية والاستثمارية بالتوازي مع تثبيت الاستقرار على الحدود.
وتشير المعطيات إلى أن زيارة رئيس الوزراء العراقي المرتقبة إلى السعودية لا تزال قائمة، بعدما جرى بحث ترتيباتها خلال اللقاءات الأمنية الأخيرة.
ويبدو أن الرياض تريد دخول هذه المرحلة من موقع واضح: لا شراكة اقتصادية مستدامة من دون بيئة أمنية مستقرة، ولا توسع في العلاقات الثنائية قبل ضمان عدم تحول الأراضي العراقية إلى مصدر تهديد للمملكة.
نفوذ إقليمي
ويحمل التقارب الأمني بين البلدين بعداً يتجاوز الحدود المشتركة. فالسعودية تتحرك بوصفها قوة إقليمية تسعى إلى تثبيت الاستقرار في محيطها وفرض قواعد تمنع الجماعات المسلحة من تجاوز سلطة الدول الوطنية.
أما بغداد، فتجد نفسها أمام فرصة لإعادة تنظيم علاقتها مع الرياض على أساس أكثر توازناً، خصوصاً إذا نجحت في إثبات قدرتها على ضبط الجماعات المسلحة وحماية حدودها ومنع استخدامها في صراعات إقليمية.
وبذلك، تبدو التحركات الأخيرة أقرب إلى إعادة صياغة العلاقة الأمنية بين البلدين: السعودية تضع أمنها القومي في صدارة التفاهمات، والعراق يقدم التزامات بمنع مصادر التهديد، فيما تتحول الحدود المشتركة من نقطة هشاشة إلى اختبار حقيقي لقدرة الطرفين على بناء شراكة أكثر استقراراً.


