: آخر تحديث
تجمع بين براعة الصانع التقليدي المغربي والانفتاح على أساليب العمارة الغربية

"دار الباشا".. جوهرة معمارية وتحفة فنية في قلب مراكش

7
7
6

إيلاف من مراكش: يرى عدد من المهتمين والعارفين بتاريخ مراكش أن الفضل الكبير في خيار التوجه السياحي للمدينة الحمراء ساهم فيه، بشكل خاص، تاريخها الزاخر الذي يشهد عليه عدد لا يكاد يحصى من البنايات الأثرية التي توفر للسائح فرصة التعرف على مدينةتختصر جانبا مهما من تاريخ البلد.


"دار الباشا" من عجائب المعمار المغربي
 

زيارة مراكش
لا تكتمل زيارة مراكش أو يصير لها معنى من دون زيارة متاحفها وبناياتها الأثرية، وهي أكثر من تحصى، كل تسمية منها تحيل على فترة من تاريخ المدينة والبلد، بداية من "القبة المرابطية"، و"قبور السعديين"، و"قصر البديع"، و"مدرسة بن يوسف"، مرورا بـ"دار بلارج"، و"متحف مراكش"، و"قصر الباهية"، و"المتحف الوطني للنسيج والزرابي"، وصولا إلى متحف "إيف سان لوران"، و"الحديقة السرية" وغيرها؛ من دون نسيان عدد كبير من "الحدائق التاريخية"، التي تؤكد أن تاريخ المدينة الحمراء يمكن قراءته أيضا من خلال حدائقها الغناء، مثل "المنارة"، و"أكدال"، و"عرصة مولاي عبد السلام"، و"ماجوريل".

ضمن هذا العرض التاريخي المهم والفريد من نوعه، تعد "دار الباشا" من مفاخر العمارة والتراث المادي المغربي في المدينة العتيقة لمراكش. يمكن القول إن هذه البناية قد صارت، بعد أن أعيد فتح أبوابها أمام الزوار، في 2017، بعد ترميمها وتحويلها إلى منشأة متحفية، تحت مسمى "دار الباشا - متحف الروافد"، قد صارت متحفا داخل متحف.


الباشا الكلاوي في صورة بمراكش برفقة ونستون تشرشل
 

يقرأ زائر "دار الباشا"، في لوحة تعريفية وضعت على بعد خطوتين من مدخلها: "سهر على بنائها باشا مراكش التهامي الكلاوي (1878 – 1956) في سنة 1910، وسعى إلى أن تكون منافسة لصروح شيدت أواخر القرن التاسع عشر كدار السي سعيد، وقصر الباهية، ودار المنبهي؛ فأضحت نموذجا لرياض تتوسطه حديقة وتحيط به عدة غرف، وفضاء للحريم، وملحقات هي عبارة عن مكتبه وحمام تقليدي ومسجد صغير. كل ذلك في تصميم بديع، جمع بين مهارة الصانع المغربي وأساليب المعمار المغربي. وقد عنيت المؤسسة الوطنية للمتاحف بإعادة تهيئتها منذ أن ألحقت بها في يوليو 2015، وحولتها إلى "متحف الروافد - دار الباشا" إبرازا للتعددية الثقافية التي تميز الهوية المغربية من خلال برمجة ثقافية غنية ومتنوعة".

خلال زيارته للبناية، يجد الزائر نفسه مشدودا إلى ما يقترحه "متحف الروافد" من معروضات وما يميز "دار الباشا" كبناية لها قيمتها التاريخية، حيث أنها واحدة من مساكن التهامي الكلاوي، باشا مراكش ما بين 1907 و1956، وتقع وسط المدينة القديمة لمراكش، وتعد نموذجا ل"الرياض" الذي يتكون من حديقة مستطيلة تحيط بها ست غرف في تصميم دقيق، وتجمع بين براعة الصانع التقليدي المغربي من جهة، وانفتاح الباشا الكلاوي على أساليب العمارة الغربية من جهة أخرى، وهو ما تشهد عليه الأبواب والنوافذ الخشبة المستوحاة من أوروبا وخاصة إيطاليا، والتدفئة المركزية التي نجدها في غرف مختلفة من المبنى.

وتتميز زخارف البناية برقة وتناغم استثنائيين، إذ يدل الزليج والأسقف الخشبية المنقوشة على غنى ودقة النمط الزخرفي المغربي، كما يظهر نظام التزويد بالمياه وصرفها ونظام التسخين في الحمام التقليدي براعة وحنكة الحرفي المغربي.

يتعرف زائر بناية "دار الباشا" التاريخية على جانب من قصة العمارة المغربية، في العصر الحديث، حيث حرصت إدارة المتحف على إعداد ملصقات ومطويات، بالعربية والفرنسية والإنجليزية، تتضمن معطيات على علاقة بمكان الزيارة. ومن ذلك أن يقف على أن المغرب، شهد مع مطلع القرن العشرين فترة تميزت بعمارة تجمع بين الخصائص المحلية المتوارثة والروافد الخارجية، حيث تأثرت العمارة في هذه الحقبة أساسا بالأحداث التاريخية والتبادلات الثقافية، وكذا التحولات الاجتماعية والسياسية التي ساهمت في انبثاق أبنية فريدة من نوعها، إذ يشهد تنوع الأسقف الخشبية والأفاريز والنوافذ على هذه الفترة المحورية. وكانت نهاية القرن التاسع عشر قد تزامنت مع إرهاصات نظام الحماية الفرنسية، وظهور التأثيرات الأوروبية على العمارة من خلال إدخال أساليب ومواد بناء حديثة، مع الإبقاء على التقنيات التقليدية المغربية؛ كما عرفت هذه الفترة تزيين الأسقف الخشبية بزخارف فريدة مستقاة من الروافد العربية والأندلسية والأوروبية، كما تم الجمع بين كل من النقوش والزخارف الهندسية والنباتية، والأشكال الهندسية والنباتية لإبداع قطع فنية نادرة وتزيين الفضاءات الداخلية للمنازل الفخمة.وتعتبر "دار الباشا" مثالا لعمارة هذه الفترة التي جمعت بين التمسك بالتقنيات التقليدية والانفتاح على الأنماط المعمارية الجديدة، فيما تشهد الأفاريز والأبواب والأسقف المصنوعة من خشب الأرز المنحوت والمصبوغ بالمواد الطبيعية كالحناء والزعفران وقشور الرمان على براعة الحرفيين المغاربة وقدرتهم على التكيف مع حرف يدوية جديدة.

طراز معماري متميز
يقول المهتمون بتاريخ مراكش إن البناية تعيدنا إلى لحظة تأسيسها في بدايات القرن الماضي، من طرف آل المزواري، الذين كان لهم طراز معماري متميز في وقته، علاوة على أنّنا يمكن أن نقارن تشييد هذه الدار بكل ما بنته شخصيات مغربية أخرى في مراكش نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ظلت وفية للعهود المغربية الأندلسية القديمة، من حيث محاورة مراكش السعدية والموحدية وقرطبة وغرناطة أكثر من محاورة الحداثة الغربية الوافدة.

و"دار الباشا" هي المثال النموذجي لصنف "الرياض"، بحديقته الوسطى المغروسة بأشجار البرتقال وبأشجار مثمرة أخرى، وهي من عجائب المعمار المغربي، تقدم أمثلة عن مهارة صناعه التقليديين: طرق جديدة في التزيين مثل واجهات الأبواب والنوافذ الخشبية المقتبسة من أوروبا والمطلة على "الرياض" الكبير، والتدفئة المركزية المطمورة في غرف الرياض الصغير والأثاث الفاخر الذي ضاع اليوم مثلما ضاعت تحف أخرى.

ويتميز تزيين البناية بانسجام ورقة نادرين، فالزليج أدخل أشكالاً وألواناً جديدة (الأصفر، مثلاً)، وألواح الجبس المنقوش تحتل جدراناً بأكملها، والأخشاب المنقوشة أو المصبوغة تكاد تبلغ مستوى الكمال، ونظام التزويد بالمياه وصرفها غاية في الإتقان.

ومنذ أن أصبحت "دار الباشا" تحت وصاية "المؤسسة الوطنية للمتاحف"، في يوليو 2015، حوّلت إلى "متحف الروافد"، وذلك من أجل التعريف بالموروث الثقافي والتراثي المادي واللامادي للهوية المغربية، وإبراز الطابع الاستثنائي والمتميز للمغرب وغنى وتنوع مكونات هويته، حيث اشتمل مشروع الترميم والتأهيل الذي أشرفت على إنجازه "المؤسسة الوطنية للمتاحف"، على فضاء للعرض مخصص للفن الإسلامي، تعرض به كتابات ولوحات وأدوات مختلفة تتعلق بالعلوم والمعارف الإسلامية، وفضاء مخصص لمجموعة أعمال فنية عالمية تعود للأميركية باتي كادبي بيرش، التي تمثل القارات الأربع، فضلا عن فضاء دائم للعرض يتضمن معطيات تاريخية وأركيولوجية تبرز مختلف أوجه الثقافة المغربية، وآخر مخصص للمعارض المؤقتة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في مذاقات