إيلاف من البندقية: في حادث صادم لأسرته عام 2012، عُثر على جثمان، منصور رشيد الكيخيا، المحامي المدافع عن حقوق الإنسان، ووزير خارجية ليبيا وسفيرها لدى الأمم المتحدة، بعد 19 عامًا من اختفائه القسري، وبحث أسرته عنه منذ عام 1993.
قصة تفاصيلها كانت مؤلمة على الأسرة خاصة جيهان ابنته الصغرى، التي قررت تقديم رحلة بحثها عن والدها وتاريخ أسرتها في فيلم وثائقي أطلقت عليه اسم "بابا والقذافي"، شهد عرضه الأول عالميًا في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي بدورته الـ82.
"بابا والقذافي" أول فيلم ليبي في فينيسيا منذ 13 عامًا، تروي فيه المخرجة جيهان رحلة بحثها عن والدها المنصور الكيخيا، وزير خارجية ليبيا السابق ومعارض القذافي. الفيلم إنتاج ليبي–أمريكي مشترك، بدعم صناديق ومؤسسات دولية، ومشاركة في مختبرات عالمية للأفلام الوثائقية.
فراغ أسود!
وخلال مؤتمر صحفي للفيلم أقيم ضمن فعاليات المهرجان للمخرجة، ورافقتها فيه والدتها الفنانة السورية-الأمريكية بها العمري، كشفت جيهان عن سبب تقديمها للفيلم قائلة: "كنت أحاول فهم البلد التي خدمها والدي وأحبها.. الفيلم بالنسبة لي وسيلة لتحويل ذكرى والدي إلى شيء ملموس، لرسم صورته… كان بمثابة إطار".
أشارت جيهان، أنها كانت الطفلة التي لم تعرف والدها وقررت خوض رحلة البحث عنه وعن ماضيه، لكن واجهها "فراغ أسود من المعلومات"، على حد تعبيرها في ليبيا عنه، مضيفة: "فكرت فقط أن عليّ أن أتحلى بالشجاعة الكافية لأحاول. ما لا أستطيع فعله هو انتظار أن تسقط القصة في حضني أو أن تأتيني الحقيقة على طبق من فضة. أعلم أن عليّ البحث عنها بنفسي ومحاولة فهمها".
الأم.. السند المتبقي
تطرقت جيهان في حديثها عن والدتها التي كانت تجلس بجوارها في المؤتمر، وكشفت عما عانته كزوجة اختفى زوجها فجأة، وترك لها أطفالًا، لتبدأ رحلتها في البحث عنه والتقصي مهما كلفها الأمر.
قالت جيهان: أي شخص يقدّر والدتي يصل مباشرةً إلى قلبي. أمي بطلة لا يُشك فيها، في الفيلم وفي حياتي… أستلهم منها كإنسانة، وأشعر أنني محظوظة لأنني كنت تحت رعايتها وحمايتها في أكثر مراحل حياتي هشاشة".
وتضيف: "لقد خسرت أخاها بسبب السياسة. كبرت ووالدها يدخل السجن ويخرج منه، وتعرّضت لمحاولات قتل عدة خلال طفولتها. اعتادت أن ترى والدتها تطهو الطعام كل ثلاثاء وتأخذ الأطفال – بمن فيهم بها – لتقديمه لوالدها في السجن. كما كانت ضحية لتغيّر الحكومات والثورات والحروب ومشكلات الشرق الأوسط… ثم اختُطف زوجها وعُذّب وقُتل لأنه كان محاميًا لحقوق الإنسان".
وتصفها جيهان قائلة: "ما يجعل والدتي ساحرة ومُلهمة أنها تملك قناعة واضحة تمامًا. نحن البشر نعيش في عالم مرتبك، كل شيء فيه رمادي ومليء بالمعاناة. من السهل أن نشعر بالإحباط، لكن من الملهم أن ترى إنسانًا يقف بثبات من أجل قضية واحدة واضحة جدًا بالنسبة له".
الوداع الضائع
من أصعب ما تحدثت عنه جيهان في المؤتمر هي لحظة وداع والدها التي منعت منها كما حُرمت منه حيًا: "مُنعت لأنني امرأة، وأيضًا بسبب فوضى الجنازة. كانت تلك فرصة ثانية للاتصال به بطريقتي الخاصة… لكنني لم أنلها. نعم، هذا أحد أكثر مصادر الإحباط غرابة في حياتي. لكنني أيضًا أدرك أن مستوى الألم الحقيقي في حياتي المرتبط بوالدي مرتفع جدًا".
رحلة بحث عن الأب والوطن
وعن رحلة بحثها عنه بعد ذلك لتنفيذ الفيلم قالت: "حين بدأت بقضية والدي، تعاملت معها بعقل طفل: والدي اختُطف… لماذا؟ لأن القذافي أخذه. لماذا؟ سؤال بسيط. لماذا؟ لماذا؟ ولماذا؟ وفجأة تجد نفسك في زمن الاحتلال الإيطالي والمجازر. ثم تبدأ في البحث عن موسوليني والفاشية الإيطالية. جدي سُجن بسبب الاحتلال الإيطالي. لم أحصل أبدًا على أي إضاءة أو فهم حقيقي لثقافة والدي من خلال الآخرين… وكأنها انزلقت من بين ثغرات التاريخ. لم تُوثّق جيدًا، ودفنتها 42 سنة من قمع القذافي".
أردفت المخرجة أنها أثناء رحلة البحث عن والدها وجدت نفسها تبحث عن وطنها ليبيا أيضًا: "على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي والجيوسياسي، هناك الكثير لنتعلمه عن ليبيا… وأنا أتعلم هذا بصفتي ليبية، لذا فلا بد أن الجمهور لديه ما يتعلمه أيضًا".
واختتمت حديثها قائلة: "كان والدي يحب ليبيا بصدق، وكان وفيًا لها ولشعبها. جاء من مكان نزيه وصادق. وفيلمي هو امتداد لهذا الحب، ليس فقط تكريمًا له – بل فعل عدالة صغير مني من أجل أبي – وأيضًا لمواصلة حبه لبلده، حيث يندمج الشخصي بالسياسي بسلاسة".