: آخر تحديث

كيف بدأ التواصل الاستراتيجي؟

6
6
6

رغم أن المفهوم المتكامل للتواصل الاستراتيجي لم يتشكل ويتحدد إطاره إلا خلال العقود الأخيرة، وبالذات في الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن جذوره تعود إلى مراحل أبكر، وأحداث تاريخية شكلت ملامحه.

يمكن اعتبار إرهاصات الحرب العالمية الأولى هي البذرة الأولى للتواصل الاستراتيجي المنظم في الولايات المتحدة، حينما أنشأ الرئيس "وودرو ويلسون" لجنة المعلومات العامة (Committee on Public Information - CPI) عام 1917 بقيادة الصحفي الاستقصائي "جورج كريل"، وكانت اللجنة أول جهاز رسمي يدمج بين الإعلام، الدبلوماسية العامة، والدعاية الموجهة "البروباغندا" للتأثير على الرأي العام الأميركي والعالمي لصالح دخول أميركا أتون الحرب.

ثم تطوّر المفهوم والتطبيقات مع اتساع الحرب العالمية الثانية، حيث أنشأت الحكومة الأميركية مكتب معلومات الحرب (Office of War Information - OWI) عام 1942م، الذي اعتمد على وجود استراتيجية تأثير تواصلي أوسع، عبر استخدام ممنهج لوسائل الإعلام، الأفلام، والإذاعة لنشر الرسائل الاتصالية داخلياً وخارجياً، مما وسّع من نطاق التأثير الجماهيري، ترافق ذلك مع تطور أدوات الاتصال بشكل أشمل وأكثر مهنية.

خلال مرحلة الحرب الباردة التي امتدت من عام 1947م حتى سقوط جدار برلين عام 1991م، برز التواصل الاستراتيجي عبر الدبلوماسية العامة الأميركية، المتمثلة في برامج التبادل الثقافي، والإعلام الدولي خارجها مثل إذاعة "صوت أميركا"، ووكالة المعلومات الأميركية (USIA) التي تأسست عام 1953، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بداية التسعينيات، أعيد النظر في مفهوم "القوة الناعمة" التي صاغها "جوزيف ناي" عام 1990، مما أعطى زخماً أوسع لمفهوم وتطبيقات التواصل الاستراتيجي.

عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، برز مصطلح "التواصل الاستراتيجي" بشكل أوضح في الأدبيات المنشورة للبيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية، حيث أُدرك أن القوة العسكرية لوحدها لا تكفي لإحداث التغيير المنشود، وأن التأثير الاتصالي يستلزم أن يكون استراتيجياً ومخططا له، وبدأ استخدام المصطلح للإشارة إلى توظيف الإعلام والرسائل الاتصالية بشكل متكامل لدعم السياسات العسكرية والدبلوماسية، ثم في عام 2009م اعتمدت وزارة الدفاع الأميركية (DoD) تعريفاً رسمياً للتواصل الاستراتيجي باعتباره "جهداً منسقاً لفهم وتشكيل بيئة المعلومات ودعم الأهداف السياسية والعسكرية".

ومع صعود عصر منصات التواصل الاجتماعي أضحى الجمهور شريكاً متفاعلاً لحظياً، فتطورت استراتيجيات التواصل لتقود صياغة السرديات وتوظف الإعلام التقليدي والرقمي، وتدمج الدبلوماسية العامة مع مختلف القوى الناعمة، وتداخل مع التحليل الرقمي والبيانات الضخمة، وأضحى دور التواصل الاستراتيجي قيادياً في عمليات المعلومات وإدارة الأزمات الاتصالية.

مراحل عديدة مرّ بها التواصل الاستراتيجي، منذ بدايته الخجولة قبل أكثر من قرن في لجنة المعلومات العامة، حتى نضوج المصطلح كمفهوم مؤسسي حديث بداية الألفية، ومنها توسع ليكون مظلة تحكم إدارة وظائف التواصل وتزيد من تأثيره على الجماهير المستهدفة، وهو ما نشهده اليوم من تصاعد التأثير والهيمنة الاتصالية لمن يملك زمام تواصله الاستراتيجي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد