ليلى أمين السيف
. «أنا بخير» هي أسوأ ما يقال حين لا تعبر عما تكنه القلوب..
نحن بخير؟ لا.
نحن نحاول أن نبدو بخير.
نُخبئ الشوق في صدورنا،
والدمع في أعيننا..
ونرسم على الوجوه صلابة لا تُشبه الحقيقة.
نقولها ونحن نختنق، نغصّ، نتفتّت بصمت..
هي لا تُخبر عن الحقيقة أبدًا،
بل تُخفيها، تلوّنها، تخنقها بلطافة، وتُقنع الآخرين أن لا داعي للقلق.
.. «أنا بخير»
تلك الجملة القصيرة التي أقولها تلقائيًا، كلّما سألني أحدهم ليطمئن..
مع علمي، وربما علمه قبلي..
أن قلبي ليس بخير. علمه التام أن قلبي ليس بخير،
أن شيئًا ثقيلًا انكسر داخلي، ولن يُرمّم.
«أنا بخير»
تُقال حين لا أملك الشجاعة للقول: «أنا موجوعة»
حين أعلم أن لا شيء في هذا العالم سيُعيد ما فقدناه.
.. «أنا بخير»
لأننا جميعنا إن شاء الله مؤمنون، راضون بالقضاء، ولكننا موجوعون بالفقد.. ولأن البوح يُتعب أكثر مما يريح فنحن نقول إننا بخير.
.. «أنا بخير»
لأنني أُجيد هذه الإجابة،
ولأن الحقيقة موجعة.
ولا أحد مستعدّ لسماع الألم كما هو، ولا أنا قادرة على شرحه كما أشعر به.
لكن الحقيقة؟
أنا لست بخير.. منذ أن أغلقت أمي عينيها للمرة الأخيرة،
ومنذ أن لُفّت ببياض لا يشبه نقاء قلبها.
ومنذ أن صمت صوتها الذي كنت أسمعه في رأسي حتى دون أن تتكلم.
.. «أنا بخير»
لأن أمي في رحمة الله.
رحلت أمي..
ورحل معها الضجيج الأجمل في هذا العمر.
ولأنني مؤمنة أن الجنة تليق بقلبها الكبير،
لكنني - والله العظيم - أفتقدها في كل لحظة..
في الدعاء، في المطبخ، في الزوايا التي كانت تسكنها
وفي كل تفاصيل البيت التي كانت تعرف أمي عن ظهر قلب.
أفتقد حتى عتابها.
حتى لومها، تلك النظرة الغاضبة التي كانت تنتهي تارة بالدعاء و مرات بالحزن وكثيرا بالرضى.
أشتاق رسائلها القصيرة والطويلة التي كانت مليئة بنصيحة أو دعاء، أو عتاب.
وصوتها حين تقول: «متى بتجون؟ ما شبعت منكم. وحشتوني».
أفتقد أن أتضايق منها، أن أتشاكس معها،
أن أغضب وأعود لأعتذر طالبة الصفح.
نعم، اشتقت حتى لغضبها..
ذاك الغضب الجميل الذي لا يدوم،
الغضب الذي لا يُشبه أحدًا،
الغضب الممزوج بحبٍ صافٍ لا يشوبه شرط ولا تردد.
أمي..
رحلتِ، وبقي كل شيء ناقصًا..
كان يكفيني وجودك لأشعر أن الدنيا - رغم قسوتها - لا تزال بخير..
أقول «أنا بخير» لكل من يسألني..
لكنني لا أقصدها..
هي فقط قناع صغير، مغلف بالرضا ممزوج بالصبر..
أضعه لأبدو صامدة،
حتى وأنا... من الداخل
على ركبتيّ أجثو و أبكي كالأطفال.
أنا مؤمنة..
لكن الحنين لا يُخمده الإيمان،
والوجع لا يُطفئه الصبر،
والذاكرة لا تُصاب بالنسيان.
اللهم ارحمها كما كانت رحيمة،
وارزقني سكينة أستعين بها على الحياة من بعدها،
ولا تجعل غيابي عنها في الحياة سببًا في بُعدنا يوم الآخرة.
اللهم اجعلها من أهل الجنة،
وارزقنا صبرًا يُرضيك، ورضًا يليق بذكراها.
وعزاؤنا أنها بين يديّ الرحمن الرحيم..
الذي هو أرحم بها منا،
عزاؤنا أن كل وجعٍ مرّ بها صار بردًا وسلامًا،
وأن كل تعبها صار أجرًا عظيمًا في ميزانها.
اللهم ارحم أمي، واغفر لها،
واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة،
وارزقنا برّها بالدعاء، والصبر على وجع الفقد.
واجبر قلوبنا بما لا نعرفه من لطفك.