: آخر تحديث

كيف نحمي وعي الجيل الجديد في الأزمات والحروب..؟!

5
4
5

تغريد إبراهيم الطاسان

لم تعد الحروب اليوم أصواتًا بعيدة تأتي من جهاز راديو في زاوية المجلس، ولا بيانات مقتضبة تُتلى في نشرة التاسعة مساءً ثم ينصرف الناس إلى حياتهم مطمئنين.

كانت البيوت قديمًا تعرف إيقاع الخوف وإيقاع الطمأنينة من خلال مصادر محدودة ورسمية.. الكبار يستمعون.. يفسرون.. ثم ينقلون ذاك للأبناء الصغار بحكمة فيخفضون الأصوات.. ويغلقون الباب على قلقٍ لا يُراد له أن يتسرّب إلى قلوب الصغار.

أما اليوم فقد سقطت الجدران بين الحدث والبيت.. وصار الهاتف نافذة مفتوحة على صور مباشرة، ومقاطع مجتزأة.. وتحليلات متناقضة.. وشائعات وأكاذيب وذكاء اصطناعي يغير الحقائق ويقلب الواقع بين الصدق والشائعات.. ويبن فنون حروب الفكر وأسلحة العالم الرقمي التي تستهدف ما هو أعمق بكثير مما نظن.

جيل الإعلام الجديد لا ينتظر تفسيرًا حكيماً.. هو يرى ويسمع ويقارن ويسأل عقلا افتراضيا لا عاقلا بشريا.. وأحيانًا يكوّن موقفه قبل أن ينهي سؤاله بناء على أهداف كثير منا يجهلها أو ينساق وراء بريقها المزيف..

هنا، لا يكفي أن نطلب من أجيالنا الجديدة الصمت.. أو أن نكرر عبارات عامة عن الخوف أو الاطمئنان الذي يجرهم إلى دوامة الحيرة التي تسقطهم شباك عالم التواصل الاجتماعي بشكل أكبر.. نحن ككبار بخبرتنا الأكبر ووعينا الأعمق مطالبون بتعلّم لغة جديدة للحديث عن الحروب..لغة صادقة لا تُفزع.. واضحة لا تُضلل، مسؤولة لا تُهوّل.. وحكيمة بحيث نجعلهم يتعلمون كيف يفندون ويفلترون ويأخذون المعلومة من مصادر موثوقة تعزز ولاءهم ووطنيتهم وتجنبهم الانجراف إلى من هدفه الأول هو سرقة عقولهم وتشكيكهم بأوطانهم ليكونوا لهم معينين وعلى بلادهم لا سمح الله خاذلين.

الحديث مع الجيل الجديد عن الحروب يبدأ بالاعتراف بأنهم يعرفون أكثر مما نظن.. وأن تجاهل أسئلتهم يفتح الباب لمصادر أخرى قد لا تكون أمينة أو متزنة. لا يصح أن نختزل الأمر في «لا تشاهد» أو «لا تهتم»، لأن المنصات الرقمية لا تعمل بهذه البساطة، بل تُلحّ وتُكرّر وتدفع بالمحتوى إلى الواجهة.

لذلك فإن أول خطوة هي الإصغاء.. أن نسألهم ماذا رأيتم؟ ماذا فهمتم؟ ما الذي أخافكم؟ وما الذي أثار استغرابكم؟ الإصغاء يمنحهم شعورًا بالأمان.. ويمنحنا فرصة لتصحيح المفاهيم قبل أن تتجذر.. بعدها يأتي دور التفسير الهادئ.. ليس بلغة سياسية معقدة.. ولا بلغة عاطفية مشحونة.. ولكن بلغة إنسانية تشرح أن الحروب قرارات وصراعات مصالح.. وأن ما يُعرض في المنصات جزء من الصورة لا كلها.. وأن التحقق من المصدر ضرورة وواجب لا للتسلية وإشباع فضول..

من المهم أن نُعلم أبناءنا الفرق بين الخبر والرأي، بين الصورة الكاملة واللقطة المجتزأة، بين التحليل المهني والتهويل الرقمي، فجزء كبير من القلق المعاصر ليس سببه الحرب ذاتها، إنما فوضى المعلومات حولها.

كما أن الحديث عن الحروب والأزمات والسياسة الدولية مع الجيل الجديد لا ينبغي أن يكون محصورًا في مشاهد الدمار والخسائر، بل في القيم أيضًا..في معنى السلام.. ونصرة الأوطان.. وبالثقة بعد الله بالقيادات.. وفي قيمة الحياة.. في أهمية الحوار.. وفي مسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه ووطنه.

عندما نُحوّل النقاش من مجرد متابعة أحداث إلى فهم أعمق للسياق والقيم.. فإننا نحصّن عقولهم من التطرف في الرأي والانجراف خلف العاطفة الغاضبة. ومن الضروري كذلك أن ننتبه لأثر التكرار البصري للمشاهد العنيفة على نفسية الصغار والمراهقين.. فليس كل ما يُعرض يجب أن يُشاهد، وليس كل ما يُشاهد يجب أن يُعاد نشره.

هنا يأتي دور التوجيه العملي: تحديد أوقات لاستخدام المنصات..اختيار مصادر موثوقة.. ومشاركة المحتوى الإيجابي الذي يبرز الجهود الإنسانية والإغاثية بدل الاكتفاء بصور الألم.

جيل اليوم لا يعيش الحرب كخبر عابر.. بل كتجربة رقمية مستمرة.. ولذلك فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على طمأنتهم، ولكن على تدريبهم على التفكير النقدي والوعي الإعلامي. إننا بحاجة إلى أن نُربي فيهم مهارة السؤال قبل التصديق، ومهارة التعاطف دون انفعال أعمى، ومهارة الانتماء دون كراهية للآخر.

الحروب ستظل جزءًا من تاريخ البشر.. لكن الطريقة التي نُحدث بها أبناءنا عنها هي التي ستصنع الفارق بين جيلٍ قَلِقٍ مضطرب.. متخبط الاتجاهات.. وجيلٍ واعٍ متزن يعرف أن العالم معقّد لكنه ليس بلا أمل.. وأن الضجيج الرقمي مهما علا.. لا يجب أن يعلو على صوت العقل.. ولا حكمة الذود عن الوطن بالوعي.. ولا على حذر وقلق طبيعي ولكنه متزن ومغلف بحب الوطن.. والحرص على سلامة المجتمع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد