سارة النومس
في محلٍّ للمجوهرات، كان يقف مع البائعين شابٌ في مقتبل العمر. كنتُ أجرّب المعروضات وأشرح لشقيقتي ما الذي يعجبني في المجوهرات؛ فأنا أميل إلى البسيط والناعم. وتطرقتُ إلى الألوان، فقلت لها: كم هي كثيرة الألوان، وصعبٌ حفظ أسمائها كلّها.
التفتُّ إلى الشاب وقلت: تخيّل فنانة ترسم ولا تفهم الألوان؟ هل لي بهذه القطعة لو سمحت؟ أخذها منّي وقال: ماذا ترسمين؟ فأجبته: كاريكاتير، لكنني اعتزلته لبعض الوقت... وربما للأبد، لا أعرف. بدت ملامح الاستغراب والإحراج واضحة على وجهه، وقال: ماذا يعني كاريكاتير؟ أعتذر، فأنا لا أعرف كل شيء.
فقلت: لا بأس، هذا طبيعي. الكثير اليوم لا يعرف الكاريكاتير، وهو فنٌّ ساخر مرتبط بالصحافة، وإبداء الآراء، ومرتبطٌ بالزمن الذي يعيشه الفنان، وأحياناً تتغيّر المفاهيم، لذلك لا ألومك إن لم تعرف هذا الفن. كم عمرك؟ قال: أنا من مواليد 2008. فقلت له: في ذلك العام كنت أدرس وأرسم الكاريكاتير، لم أكن أعمل. انظر إلى نفسك؛ تعمل بجد، وربما لديك أسرة تعولها وتسهر على راحتها. الزمن يغيّر المجتمعات والمفاهيم، لذلك لا تلم نفسك إن لم تعرف الكاريكاتير.
في الجزء الثاني من فيلمي المفضّل (الشيطان يرتدي براداً) كانت هناك لقطات توقفتُ عندها طويلاً. اليوم من يمسك دفتراً ويكتب فيه ملاحظات، تجد الغالبية ممن حوله ينظرون إليه نظرة استهزاء، لابد أن تجد شخصياً يجلس أمام جهازه اللابتوب، إذا دخلت أي كافيه (يجب أن تراه). في الفيلم عندما تغيّرت مِلكية شركة «إلياس كلارك»، ظهرت مخاوف الموظفين، خصوصاً أن الرئيس الجديد شاب ويؤمن بالأنظمة الإدارية الجديدة، المفعمة بروح الشباب التكنولوجي المتطور والمستحدث، الممزوج بثقافة بسيطة وخبرة طويلة مرتبطة بالآلة. جلست الرئيسة التنفيذية لمجلة (ران وي) مع مجموعة من أصحاب المناصب، تميّزهم الجاكيتات وربطات العنق وجميعهم صغار في السن، وكان الاستنتاج الذي توصلوا إليه هو تحويل شامل وكامل للمجلة.
اللقطة الثانية من الفيلم كانت عندما اشترى رجل ثري ملكية مجلة (ران وي)، وحاول فرض منظوره للتغيير بشكلٍ سطحي، يخلو من النظرة الفنية للأزياء وعالم الموضة، ومن المحافظة على أسرار النجاح، بل وتطويرها ليكون الماضي مفتاح نجاح المستقبل. كان ينوي تغييراً شاملاً تحت ذريعة التطور التكنولوجي الجامد، الخالي من الحس الفني والمشاعر الإنسانية الرائعة المستمدة من الطبيعة، والألوان، والمعادن، التاريخ وغيرها، كانت لحظات يتحدث فيها هذا الرجل عما ينوي القيام به في المجلة، وأتذكر كم واحد منا دمر الماضي من كتاب، أو بناء أو صور أو تاريخ بحجة التطور و(نحن أبناء اليوم)!
لا ألوم شاباً على قلّة معرفته، وأدعو الشباب إلى عدم الاعتذار. لماذا يعتذرون عن تقصيرٍ لم يكونوا سبباً فيه؟ أغلبهم عاش طفولته تحت ركام القصف والعنف الإنساني الذي امتدّ لعقود، دون أن يُمنح فرصة طفولة حقيقية أو شبابٍ يخطئ فيه ويتعلم من أخطائه.
وفي الوقت نفسه، لا تستهويني الطفرة التكنولوجية المندفعة في حياتنا، التي تجعل التكنولوجيا أساس النجاح، لا الإنسان، ولا عقل الإنسان ومنظوره وتحثه على عدم الرجوع للماضي لأخذ العبر والعظة والدروس منه.

