حسن اليمني
الأمن والأمان كلمتان تبدوان في الظاهر مترادفتين، غير أن التأمل في معناهما يكشف اختلافًا في السياق والدلالة.
فالأمن، في أحد وجوهه، يرتبط بالفعل المادي الملموس؛ بمنظومة الحماية، وحفظ النظام، وصيانة الاستقرار من كل ما يهدده.
أما الأمان فهو حالة أعمق وأكثر التصاقًا بالإنسان، إذ يتمثل في ذلك الشعور الداخلي بالطمأنينة، والإحساس بالكفاية، والثقة باستقامة الحاضر وإمكان المستقبل.
ومن هذا المنطلق، قد يكون الأمن سببًا من أسباب الأمان، لكنه ليس وحده كافيًا لتحقيقه بصورته الكاملة.
ونحن، بحمد الله، نعيش في ظل نعم عظيمة من الأمن والاستقرار، وهي نعم تستوجب الشكر لله سبحانه وتعالى، والتواضع بين يديه، وسؤاله دوام الحكمة والرشد والتوفيق في القول والعمل.
وإذا كان من حقنا أن نفخر بما حققته مؤسساتنا الأمنية، وفي مقدمتها جهاز أمن الدولة، من كفاءة واقتدار وأداء مشهود في حماية الوطن وصون استقراره، فإن ذلك لا يتعارض مع السعي إلى استكمال مفهوم الأمان في أبعاده الأوسع.
فالأمان، بوصفه قيمة اجتماعية وحضارية، يظل مشروعًا متجددًا يحتاج إلى بحث وتأمل واجتهاد مستمر، ليس فقط للمحافظة عليه، بل للارتقاء بجودته وتعزيز حضوره في حياة الإنسان، بما يحقق التكامل بين أمن الوطن، وأمان المجتمع، وطمأنينة الفرد.
تبدأ طلائع الأمان من الإنسان نفسه في عقله وفكره وخلقه وفهمه ووعيه، ومن غرائب المنطق أنه كلما كانت هذه – الفكر والفهم والوعي - منخفضة في شمولية أي مجتمع كان الأمان أكثر ارتفاعا في نسبته والعكس صحيحا، وهنا قد يبدو الأمر معكوسا وغير متوافق والمنطق المبدئي في الفهم، فالأصل الشائع لدى الناس أنه كلما ارتقى الفهم والوعي والفكر ارتفعت نسبة الأمان، وللأسف هذا غير صحيح بشكل تام، وربما يستبين ذلك في الواقع الحقيقي والتطبيق الفعلي، وبما يكشفه كوجه صحيح في الحقيقة الاجتماعية والنفسية، وسنلحظ ذلك في عدّة حقائق تؤكدها ولعل من بعضها مثلاً:
- ارتفاع الوعي يفضح الزيف والنفاق.
عندما يرتفع فكر الفرد ووعيه، يصبح أكثر قدرة على تحليل التصرفات، وفهم النوايا، وكشف الكذب أو التلاعب.
- الفهم يرفع درجة الحذر.
ارتفاع الوعي والفهم يوسع مساحة الإدراك، ويحدّ من المبالغة والتهويل، ويجعل الإنسان أكثر اتزانًا في تقدير الأمور. بالمختصر الموجز: ارتفاع الوعي يستبدل الطمأنينة الساذجة بأمان قائم على الفهم والإدراك الواعي.
إن مجتمعنا السعودي لم يعد ذاك المجتمع الأمي الخارج للتو من المجتمع القبلي إلى المواطنة والدولة، بل أصبحنا بفضل الله نمتلك أفضل النسب في التعلم والفهم والوعي، ونمتلك شعبا شابا في أغلبه تخرج من الجامعات الوطنية والأجنبية وتأهل بعلم وتدريب في مساحة واسعة من النهوض والوفرة والجودة، وليس من المبالغة أو الإطراء حين نقول: إن شعب هذا الوطن من الشعوب الواعية المتعلمة، فهذه حقيقة لا ينكرها إلا جاهل.
إزاء ذلك نحن في حاجة ملحّة إلى إعادة ترقية مفهوم الأمان وتطويره بما ينسجم مع مستوى وعي المجتمع وإدراكه والى مستوى الأمن الوطني، بحيث لا يبقى الأمان مجرد حالة أمنية أو شعور مؤقت، بل يتحول إلى منظومة متكاملة تؤسس لاستقرار الإنسان ومساره في الحياة.
ويأتي بناء الأمان الوظيفي في مقدمة المرتكزات التي يقوم عليها البناء للأمان الاجتماعي، غير أن مفهومه أوسع من أن يُختزل في مجرد الحصول على وظيفة أو ضمان استمرارها؛ بل يرتبط بسلامة المسار الوجودي للإنسان ذاته.
يبدأ المواطن رحلته بالتعلم، ومن العلم ينتقل إلى العمل، ومن العمل يؤسس مسكنه، ويبني أسرته، ويسهم في تنمية اقتصاد وطنه، ثم يربي أجيالًا قادرة على مواصلة مسيرة البناء والتطوير، وبهذا يصبح الأمان الوظيفي جزءًا من دورة حضارية متكاملة، تتجاوز الفرد إلى المجتمع، وتتجاوز الحاضر إلى المستقبل.
ومن هنا لعلنا نستطيع القول إننا نحتاج في سعينا لتجويد الأمان بادئ ذي بدء إلى حماية اللسان والتصور في العقل، وهذه العملية ليست سهلة -كما هي في لفظها- بل إنها عملية واسعة ومعقدة في تشابكها لدرجة تحتاج فيها إلى مدرسة تنشرها، وتعنى بها، وتحميها، وأقصد بالمدرسة جهة سيادية مختصة في تأمين حماية وسلامة تسلسل الأجيال في ذات المسار الوطني المبني على القيمة والهوية، نعم القيمة والهوية، وهذه متمثلة في قاعدة (إنسان، مسلم، عربي، سعودي) إنسان خُلقه الإسلام ولسانه عربي، وموطنه السعودية.
ولحماية اللسان أولاً: نحتاج إلى إعادة النظر في كثرة وسرعة انتشار العناوين الأجنبية بدلا من العربية، إن هذا يضرب بقوة في جودة الأمان الاجتماعي إن بقى واستمر يتصادم مع رقي الوعي والفهم والتعلم وتوسع مدارك الفكر، لا يصح أن يستبدل أحدنا تسمية ابنه من (طنيجر إلى مايكل) لا توجد علاقة أبدا وإطلاقا للرقي والتطور في هذا، بل إنها تظهر لنا صورة موجعة في من بدّل وقوفه على قدمية إلى الوقوف على رأسه.. أقل ما يقال إنه مجنون، فكيف إذن باستبدال (فن الرياض إلى Riyadh Art) وماذا عن (Thrills City وDiscovery Spring، Grand Expo، Steam Town، Twilight Zone، Castle Valley، Boulevard World، Boulevard Riyadh City) وغيرها الكثير الكثير، فأين القيمة وأين الهوية، للأسف ألفاظ أجنبية لعناوين عربية سعودية آثرت أن لا أضع ترجمتها العربية لأنها وضعت كأصل لا ترجمة.
ولحماية التصور في العقل ثانياً: يقتضي حضور الروح الوطنية في مواقع الإدارة والقيادة، باعتبارها الأقدر على فهم المجتمع، واستيعاب احتياجاته، والتفاعل مع خصوصيته الثقافية والاجتماعية. وإذا كانت مؤسسات التعليم والجامعات -كما يزعم ويقدم كتبرير- غير قادرة على رفد المجتمع بالكفاءات الوطنية المؤهلة لقيادة مسارات التنمية، فإن ذلك يفرض تساؤلًا مشروعًا ليس حول جدوى المخرجات التعليمية ومدى انسجامها مع احتياجات الواقع ومتطلبات المستقبل، بل حول جدوى وجودها أصلاً.
إن القلق الحقيقي لا يكمن في محدودية الفرص فحسب، بل في أن يتحول التعليم -مع مرور الوقت- إلى مسار لا يحقق غايته الحضارية، ولا ينعكس أثره الطبيعي على حياة الإنسان ومكانته ودوره في البناء الوطني، وهذا لا يعكس أزمة تعليم - مزعوم - أو عدم ثقة في مخرجاته، بل يكشف كذلك عن تحديات أعمق تمس إدارة الأمان الاجتماعي ومدى توافقها مع وعي المجتمع وتطلعاته.
وتظهر ملامح هذه التحديات في تراجع فرص التوظيف، ضعف القدرة المالية لدى فئات واسعة، تأخر تكوين الأسرة، تراجع معدلات النمو السكاني، إلى جانب تصاعد الشعور بعدم العدالة أو اختلال تكافؤ الفرص، وهذه المؤشرات، وإن بدت متفرقة، إلا أنها في حقيقتها إشارات ساخنة تستوجب مراجعة جادة وشاملة لمفهوم الأمان الاجتماعي وآليات تحقيقه.
وكما نجحت مؤسسات الدولة الأمنية، وفي مقدمتها جهاز أمن الدولة، في تحقيق منجزات واضحة في حماية الوطن واستقراره، فإن تحقيق النجاح ذاته في ملف الأمان الاجتماعي يظل ممكنًا متى ما أُدركت حساسية هذا الملف، وأُعطي ما يستحقه من أولوية واهتمام واستجابة عملية لا تحتمل التأجيل.

