عبدالعزيز التميمي
عبرت سنوات العمر كأنها ومضة فلاش، سلطت الضوء على الكثير من المحطات والأيام شاهدة على الكثير منها بحلوها ومرها، بدأ جزء منها في الخمسينيات وأخذت معها السبيعية إلى يومنا هذا.
كانت بداية الستينيات هي مفترق الطرق حيث اكتشفت طيبة الناس وحبهم لفعل الخير أصدقاء الطفولة أمهاتنا والآباء والأجداد الله يرحمهم، الأساتذة والمعلمين بعض الباعة المتجولين وأنواع الحلويات والمشروبات الغازية والمكسرات ونوع السندويشات والأسعار الرخيصة للمواد الغذائية، كل مقومات الحيات كانت جميلة طيبة في متناول الجميع وجيلنا هو الجيل الذي رُزق نعمة اكتساب الفكرة والرأي والنصح من أجيال العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، وأذكر منهم الأستاذ الإعلامي يونس بحري، 1900 - 1979، الذي عاصر الحربين العالمية، الأولى والثانية، وجالس الملوك والزعماء بصفته الإعلامية.
هذا اللقاء الذي تكرّر مع الراحل يونس بحري، في ديوانية العم فريح المهوس، رحمه الله، دائماً كنا نجلس بعد تناول وجبة الغداء بكرم حاتمي سخي بهذا الديوان العامر، معنا الأخ والصديق الراحل مشعل فريح المهوس، نستمع للأستاذ بحري، وهو يروي تفاصيل ترحاله وسفره في أوروبا والجزيرة العربية، فاكتسبنا منه تجارب سنين عمره العملية.
يونس بحري، لم يكن شخصاً عادياً عابراً بل كان شخصية منتجة عاملة بنجاح فهو مؤسس أول إذاعة عربية من برلين، أطلق إذاعة عربية منها موجهة للشرق الأوسط، كما كان رحالة يتنقل من بلد إلى بلد متمسكاً بعروبته مفتخراً بإنجازاته التي دائماً ما كان يقول إنها إنجازات عربية، وفي آخر أيامه أقام في مسقط رأسه، الموصل، وانتقل إلى رحمة الله في مايو 1979،.
وهناك أيضاً شخصية العم بن جرناس، يأتي إلى الكويت زائراً ويعود إلى بلده الأصلي السعودية.
وبن جرناس، كان ضابطاً بالجيش التركي برتبة نقيب، له من الثقافة العامة الشيء الكثير، وهو قارئ جيد لشكسبير، وكتاب العجوز والبحر وفكتور هيغو، صاحب كتاب البؤساء.
قرأ القرآن وحفظه، معجب بتليستوي الفيلسوف الروسي وغيرهم كثير.
كان طعامه مختصراً على النباتات ومن أقواله انه يحب أن يأكل ما يخرج من الأرض ولا يقترب ما يمشي على الأرض؟.
ذكرت بن جرناس وبحري لأنهما مثقان عربيان في زمن الانتشار العربي في العصر الحديث، ولكن لم يتناول الحديث عنهما أي كاتب أو محقق باحث في الشؤون العربية. لهذا أحس اليوم في غربة عجيبة بسبب جنوح النشء الجديد عن الثقافة والقراءة والتزود بالعلوم بعكس ذاك الزمان الذي عشناه ونحن نقرأ الكتب والروايات في ضوء الفوانيس ونستعير الكتب أو نجمع ثمنها لامتلاكها مع قسوة زماننا كنا نتتبع الأحداث ونقرأ ونحقق. أما اليوم مع توفر التطور الرقمي وسهولة التواصل بين البلاد والأمصار فلا تجد بين العرب مَنْ يبحث ويقرأ إلا القليل من الناس، مع أن كل كتب العالم اليوم متجمعة في فنجان قهوة.

