: آخر تحديث

لذة العيش «بلا ظل ولا أثر»!

1
1
2

محمد ناصر العطوان

كان يجلس دائماً في الصف الأخير من المسجد النبوي، في تلك البقعة المعتمة التي لا تصلها أضواء القناديل ولا التفاتات الوجهاء.

شيخٌ طاعنٌ في السن، يرتدي ثوباً نظيفاً لكنه متهالك، ينهي صلاته بصمت، يطوي سجادته الوهمية في قلبه، ويمضي في أزقة المدينة المنورة ماشياً بجوار الجدران لكي لا يزاحم أحداً، ويدعو الله ألا يراه أحد.

مرت بجواره قافلة التابعين الجدد، أولئك الشباب المتحمسون الذين جاءوا من أقاصي الأرض يبحثون عن أي شخص رأى رسول الله ﷺ ليأخذوا عنه الحديث. نظروا إليه، فرأوا مجرد «رجل عجوز عابر»، لم يلتفتوا إليه، ولم يلتفت هو إليهم.

إن الحقيقة التي لم يعرفها هؤلاء التابعون، ولم يسجلها الطبري، ولم تذكرها موسوعة «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني، هي أن هذا العجوز المجهول ربما كان ممن رأوا النبي ﷺ، وربما صلى خلفه، وربما شارك في غزوة، لكنه، ومنذ اليوم الأول الذي نطق فيه بالشهادتين، اتخذ قراراً إستراتيجياً صارماً وهو أن يمر في هذه الدنيا بسلام، دون ضجيج، دون منصب، والأهم... دون أن يترك ظلاً أو أثراً يُذكر في كتب التاريخ.

أنا أعلم عزيزي القارئ! أنك تود أن تعرف اسمه، الذي لم تسمع عنه من قبل، ولكن دعني أكمل قصة هذا الرجل الذي عاش في الظل وسأخبرك باسمه في نهاية المقال... ففي زمن كانت فيه الصحبة «شرفاً» يرفع الأنساب، ومكانة تمنح صاحبها الصدارة في المجالس والجيوش وشرف أن يكون لك تلاميذ وأتباع، قرر أن ينسحب من كل هذا الضجيج.

لم يقف يوماً في حلقة ليقول: «سمعت، ولم يذهب إلى الخليفة ليذكره بأيامه في مكة... كان يعتقد يقيناً أن صفقته وهويته لا تحتاج إلى «تصديق» أو «ختم» من أهل الأرض.

هذا الرجل العادي جداً، الذي كان يمشي في الأسواق، ويمرض ويفرح ويحزن ويضحك. ويلاعب أبناءه، أدرك مبكراً حقيقة فلسفية مهمة، وهي أن الشهرة تقصم الظهور، وأن الأضواء تحرق من يقترب منها... لذلك اختار أن يكون رقماً صفرياً في حسابات البشر.

تخيل يا عزيزي القارئ! لو أن مثل هذا الرجل بُعث اليوم، ومشى في شوارع مدننا الحديثة، ليرى ما فعلناه بأنفسنا في عصر «المجتمع الشبكي»، واللهاث خلف «الترند».

نحن في زمن أصبح فيه الإنسان مستعداً لبيع كليته، أو شتم أقربائه، أو الرقص كالمهرج في الشارع، فقط... لكي يحصل على «لايك»، أو إشادة من شخص لا يعرفه.

نحن أُصبنا بمرض «فوبيا التهميش»؛ نعتقد أننا إن لم نُوثق إفطارنا في المطعم، أو دمعتنا في المأتم، أو ركعتينا في الحرم المكي بالصورة والصوت والموقع الجغرافي، فإننا غير موجودين أصلاً!

لقد حولنا حياتنا إلى «شاشة عرض» مفتوحة 24 ساعة، نلهث لإثبات وجودنا في عيون الآخرين... أما صاحبنا المجهول، فقد كان يملك «حصانة» ضد هذه الهشاشة... لم يكن يحتاج لعيون الناس لكي يرى نفسه، لأنه كان يرى نفسه بوضوح من الداخل.

لقد أرهقنا أنفسنا في معارك إثبات الذات، وصرفنا أعمارنا في الدفاع عن «وجهة نظرنا»، وفي الرد على من شتمنا، وفي محاولة حفر أسمائنا على صخرة التاريخ، متناسين أن التاريخ نفسه سيصبح تراباً في النهاية.

هذا الرجل المجهول يقدم لنا اليوم أعظم «روشتة» نفسية لعلاج قلقنا الوجودي، جرب أن تكون لا شيء في عيون الناس، بلا ذكر أو أوراق أو حسابات أو ممتلكات... لتكون كل شيء في عين الحقيقة.

جرب أن تتصدق دون أن تخبر زوجتك، أن تبكي في غرفتك دون أن تكتب تغريدة عن حزنك، أن تقرأ كتاباً دون أن تصور غلافه، أن تمضي في هذه الحياة كـ«نسمة هواء» تبرد على قلوب من حولها، ثم تمضي دون أن تترك حتى «ظلاً» يدل عليها.

ولعلك عزيزي القارئ قد شعرت أني خدعتك عندما أخبرتك بأنني سأذكر اسم هذا الرجل، ولكني صدقني لو كان هو يرغب بذلك لكان على الأقل لفت الانتباه في وقته... ولكن هذا قراره وأنا أحترمه.

عندما تقرأ عن هذا الرجل الذي افترضنا وجوده (وهو حتماً موجود بالمئات بل بالآلاف ضمن الرعيل الأول الذين لم تصلنا أسماؤهم)، تشعر بضآلة مضحكة أمام حجم الإزعاج الذي نسببه لأنفسنا وللآخرين.

رحم الله صاحبنا المجهول... الذي عاش ومات، وهو يعلمنا أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان، هو أن يغادر بسلام، وبصمت، والأهم... بشرف!

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد