: آخر تحديث

الحجُّ... مدرسة تصنع الإنسان

2
1
1

عبدالعزيز الكندري

هناك الكثير من الدروس والعِبر في مدرسة الحج التي تُعيد صناعة الإنسان، ولكن قبلها لا بد من الإشادة بالجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية في خدمة ضيوف الرحمن، والتي تقدّم منظومة متكاملة في خدمة الحجيج من بداية الرحلة والتسجيل وتسهيل قدوم الضيوف إلى المغادرة بسلام، من الخدمات التقنية والرقمية وتسهيل الإجراءات، إلى إطلاق تطبيقات وأنظمة ذكية تسهم في تسريع إنهاء إجراءات الدخول الخاصة بالحاج، مروراً بتقديم معلومات إرشادية فورية حول المناسك، مع توفير خدمات الهوية الرقمية للقادمين بتأشيرة الحج.

كذلك إدارة ملايين البشر وتحركهم في وقت واحد دون وجود إصابات تُذكر.

لا شك أن هذا يحسب للسعودية، وهذا يدل على تطبيق هندسة لوجستية دقيقة لإدارة هذه الملايين بكفاءة عالية وأمان، ويدل على العمل المستمر لدرجة أن في كل عام تزور فيه مكة المكرمة تجد العمل المستمر على توسعة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة لرفع الطاقة الاستيعابية وتوفير مساحات آمنة ومريحة.

ولا شك، بأن مدرسة الحج تختلف عن بقية المدارس لأنها تصنع إنساناً، وهي ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان آخر، بل هو انتقال من الغفلة إلى اليقظة، ومن الانشغال بالدنيا وتفاصيلها إلى التعلق بالله، يخرج الحاج تاركاً خلفه عاداته ومظاهر حياته اليومية، مرتدياً لباساً واحداً يذكره بحقيقة الإنسان وضعفه وحاجته إلى خالقه، وفي هذه الرحلة يتجدّد الإيمان وتصفو الروح، فيشعر المسلم أنه يبدأ صفحة جديدة مليئة بالطاعة والصدق والإخلاص.

قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾.

ومن أعظم دروس الحج ما يتعلّمه المسلم أن الناس سواء أمام الله، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي إلّا بالتقوى والعمل الصالح، الجميع يرتدون الإحرام الأبيض، ويقفون في المكان نفسه، ويرددون التلبية ذاتها، وكأن الحج يعلن سقوط الفوارق الدنيوية أمام وحدة العبودية لله.

وفي ذلك تربية عظيمة على التواضع واحترام الإنسان مهما كان أصله أو مكانته. قال، صلى الله عليه وسلم،: (لا فضل لعربي على أعجمي إلّا بالتقوى).

ولا ننسى أن الحج مدرسة عملية للصبر، ففيه ازدحام وتعب وتنقل وانتظار، ومع ذلك يُطلب من الحاج أن يتحلّى بحسن الخلق وكظم الغيظ وضبط النفس، والذي ينجح في الصبر بالحج يستطيع أن ينجح في مواجهة صعوبات الحياة بعده، لأن النفس قد تدرّبت على التحمّل والانضباط.

ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.

والحج يعلّم المسلمين احترام الوقت والنظام والتعليمات، فلكل نسك زمان ومكان محددان، وأي خلل في الترتيب قد يؤثر على أداء الشعيرة. ومن هنا يتعلّم الحاج أن النجاح في الحياة يحتاج إلى الانضباط والتعاون واحترام الأنظمة التي تحفظ مصالح الناس، ولو نقل المسلم هذا السلوك إلى حياته اليومية لساهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وتنظيماً. قال- صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

في الحج تظهر أجمل صور التكافل، فهناك من يساعد كبار السن، ومن يوزّع الماء والطعام، ومن يرشد التائهين، ومن يخفف عن الآخرين مشقتهم، وهذه الروح الإنسانية تؤكد أن العبادة ليست شعائر فقط، بل أخلاق ورحمة وعطاء، والحاج الحقيقي هو من يعود من رحلته أكثر رحمة بالناس وأقرب إلى خدمة مجتمعه. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.

ولعل الحج الناجح لا ينتهي بانتهاء المناسك، بل يبدأ أثره الحقيقي بعد العودة إلى الحياة اليومية، فالمقصود من الحج أن يعود الإنسان بقلب أنقى، ولسان أصدق، وأخلاق أفضل، وعلاقة أقوى مع الله والناس، ومن أعظم الدروس أن الإنسان قادر دائماً على التغيير والتوبة وفتح صفحة جديدة مهما كثرت أخطاؤه، ولذلك فإنّ الحج المبرور جزاؤه الجنة، لأنه يصنع إنساناً جديداً يسعى للخير والإصلاح.

قال- صلى الله عليه وسلم-: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه).


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد