تمرّ بنا لحظاتٌ لا يداهم الإنسان فيها سؤالٌ بقدر ما تداهمه مرآةٌ كاملة لروحه، هكذا باغتني السؤال ذات تعب «ماذا لو توقّفت يومًا عن الكتابة؟» لا بوصفها عادة، ولا مهنة، ولا حتى شغفًا عابرًا، وإنما بوصفها الهيئة الوحيدة التي أعرف بها نفسي منذ زمنٍ بعيد.. كنت أجلس بين أبنائي الثلاثة، أراقب انعكاسي في عيونهم وهم يستعيدون سيرتهم مع غيابي عنهم ذلك الغياب الذي لم يكن سفرًا ولا قسوة، حين كان كتبًا وقصائد وهوامش ودفاتر ظلّت تأخذني منهم إليّ...
كانوا يدركون دائمًا أن أباهم يعيش داخل اللغة أكثر مما يعيش داخل الأمكنة، وأنه كلما اقترب من قصيدة ابتعد قليلًا عن العالم لذلك احتفلوا بحياتي بينهم، لا بحياتي فيهم..كانوا يروون حكايات القصائد كما لو أنهم يتذكرون طقسًا غامضًا، كيف كنت أهبط عليهم فجأة من مكانٍ لا يشبه البيت، محمولًا على شجنٍ كثيف، وأقرأ نصًا لا يعرف أحدٌ كيف وُلد، ولا من أيّ خسارةٍ تسلّل، ثم يصفقون له بجمل إعجابٍ تبدو كأنها اعتراضات صغيرة داخل حياةٍ لا تفهم الشعر لكنها تحاول احترامه.
لا ألومهم حتما فكيف ألوم من منحوني للكتابة كل هذا العمر دون ضجر؟ هم فقط كانوا يريدون أبًا يشبه بقية الآباء قليلًا، بينما كنت أريد من العالم كله أن يصغي إلى جملةٍ نجت تواً من الانكسار...!
أحيانًا، تدفعني نرجسية الكتابة لأن أقتحم عليهم يومهم؛ أوقف حديثًا عابرًا عن التسوق الإلكتروني، أو جدالًا حول ذائقة موسيقية، لأقرأ عليهم فقرةً ما تزال ساخنة من حمى الكتابة، بينما تبدو القصيدة بالنسبة لهم كضيفٍ ثقيل اقتحم غرفةً مزدحمة باليومي والعابر.
لكن ما الذي يبقى مني حقًا لو صمتُّ؟
كيف يمكن لكاتبٍ أن يخلع لغته كما يخلع ثيابه؟
فالكتابة ليست ما أفعله، هو ما يحدث لي دون أن يتنبّه له غيري الطريقة التي أفكّر بها، وأخاف بها، وأحبّ العالم بها.. حتى الموت نفسه لا يبدو لي نهايةً للكتابة، بل بداية قارئ جديد، فالكتّاب لا يموتون حين تتوقف قلوبهم، بل حين يتوقف أحدٌ ما عن قراءتهم.
لهذا أفهم الآن لماذا يصبح الأموات أكثر حضورًا أحيانًا، لأن النص بعد الموت يتحول إلى كائنٍ حرّ، لا يحتاج صاحبه كي يدافع عنه أو يشرحه، يكفي أن يغيب الكاتب حتى تبدأ الكتابة بالحديث وحدها.
وسط هذا الشجن الكثيف، كنت أهرب من هواجسي بمحاولة الحديث مع أحد أبنائي عن مشروعه العملي أو التطفل على أسرار وظيفته، أو مسيرته الدراسية لكنني كعادتي، أترك الفكرة كلها وأقف عند اللغة نفسها: لماذا أهملت هذه الهمزة؟ كيف انكسر هذا الفعل المعتل؟ لماذا تبدو الجملة ناقصة الإيقاع؟
يا لهذا الحصار الجميل… أن تتحول اللغة إلى قدرٍ يطاردك حتى في أخطاء الآخرين الصغيرة.
ثم أدركت أخيرًا أن بعض الناس يعيشون أعمارهم داخل البيوت، بينما يعيش الكتّاب أعمارهم داخل السطور. وأنني، منذ زمنٍ بعيد، لم أكن أكتب لأقول شيئًا فحسب، بل كنت أكتب كي أبقى فقط أبقى! كي أترك نسخةً مني تقاوم الغياب حين أعجز أنا عن ذلك، فالعمر، في نهاية الأمر مخطوطة طويلة يحاول الإنسان أن ينقذ بها نفسه من النسيان...!

