محمد بن عيسى الكنعان
منذ سقوط نظام الشاة عام 1979م وقدوم الخميني من منفاه الفرنسي بعد أن اختطف أنصاره الثورة الشعبية الإيرانية، وركبوا موجتها، وتحكموا في بوصلتها؛ وإيران الدولة تحولت إلى إيران الثورة التي أحيت الطائفية بالمنطقة، واستدعت الأحلام الصفوية التوسعية، وعملت على تصدير الثورة لكل المحيط الإقليمي، واللعب بورقة محاربة إسرائيل من خلال بناء ما يسمى (محور المقاومة) بتأسيس ميليشيات بأغطية أحزاب داخل بعض الدول العربية، فكان الحلف الإيراني مع نظام الأسد الذي مكّن الإيرانيين من تأسيس (حزب الله) في لبنان 1982م، ودعمه المستمر بالمال والسلاح بحجة مقاومة إسرائيل ما جعل الحزب دويلة داخل دولة، ومكّنه من اختطاف القرار السياسي اللبناني، كما مدّت جسور التواصل والدعم مع ما يسمى حركات المقاومة الفلسطينية من إسلامية ويسارية في الثمانينيات الميلادية، وتأسيس فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني لإفشال أي حل عربي لحل القضية الفلسطينية. ومع بداية الألفية الثالثة قامت إيران الثورة بدعم المعارضة العراقية الشيعية، التي جاءت من طهران على ظهر دبابة أمريكية، واستولت على السلطة بالعراق بعد سقوط نظام صدام 2003م، ومن ثم شكلّت قوات (الحشد الشعبي) لتكون كيانًا موازيًا يتحكم بقرار الحكومة. وبعد اندلاع ما يسمى (ثورات الربيع العربي) حاولت إيران أن تجد لها موضع قدم في مملكة البحرين عام 2011م؛ لكن تدّخل قوات درع الجزيرة بقيادة المملكة العربية السعودية أحبط مخططها، كما وقفت إيران الثورة مع نظام الأسد بكل ثقلها وساهمت في ذبح الشعب السوري من عام 2012م، وحتى سقوط النظام 2024م، ودعمت جماعة الحوثي باليمن حتى سيطرت على صنعاء عام 2014م، حتى إن علي رضا زاكاني - عمدة طهران - صرّح متباهيًا عندما كان برلمانيًا أن إيران أصبحت تُسيطر على أربع عواصم عربية هي: صنعاء، ودمشق، وبيروت، وبغداد.
هذا بإيجاز ما فعلته إيران الثورة بعالمنا العربي في عهدي الخميني والخامنئي من تدخلات فعلية سببّت لدول عربية الخراب وتدمير البُنى التحتية، وعدم الاستقرار، وتعطيل التنمية، وهي محفورة في الذاكرة العربية، والوجع العربي لازال قائمًا، وشعور عدم الثقة تجاه إيران لازال حاضرًا..
لكن هذا التاريخ الطويل من الإجرام الإيراني لا يعني أن العرب يفرحون أو يؤيدون الحرب ضد إيران، فالخاسر هو الشعب الإيراني والمحيط الإقليمي في حال اتساع رقعة الحرب، وهي حرب لا ناقة للعرب فيها ولا جمل، فالعرب - وبالذات دول الخليج - مع الاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي، والسلم الاجتماعي، والتقدم التقني، والتنمية البشرية فهذه هي معايير تقدم الشعوب ونهضة الأمم؛ إلا أن إيران التي لازالت تتعامل بعقلية الثورة وليس منطق الدولة فوتت الفرصة التاريخية باستعادة العلاقة الأخوية والصادقة مع جوارها العربي وبالذات الخليجي والبناء على هذه العلاقة، فبدل أن تجعل المواجهة محصورة بينها وبين إسرائيل في هذه الحرب التي فُرضت عليها فتنال التأييد العربي والدعم الإسلامي -أو على الأقل تصدق بشعاراتها الموت لإسرائيل- نجدها تستهدف الدول الخليجية فتخسر على المستويين الرسمي والشعبي، وذلك في ردها على الهجوم المزدوج الذي شنّته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل صباح يوم السبت 28 فبراير ونتج عنه قطع رأس النظام (مقتل علي الخامنئي المرشد العام للثورة)، وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، مثل قائد الحرس الثوري، ووزير الدفاع، وقيادات الاستخبارات.
فهي لم تكتف بضرب إسرائيل بالصواريخ والمسيرات، إنما أرسلت صواريخها الإرهابية ومسيراتها الإجرامية إلى المناطق المدنية والحيوية في دول الخليج من مطارات مدنية، وفنادق، ومنشآت نفطية، ومناطق سكنية، بحجج واهية كوجود قواعد أمريكية في هذه الدول، أو أن بعضها لديه علاقات مع إسرائيل، وهذا تبرير سخيف وادعاء كاذب وتصرف جبان، فهناك دول أخرى غير الدول الخليجية فيها قواعد أمريكية ولديها علاقات مع إسرائيل ولم تُستهدف، لأن إيران بالأساس تُدرك أن دول الخليج لا يمكن أن تُفرط بمكتسباتها التنموية ومنجزاتها الحضارية التي بنتها خلال عقود طويلة، لذلك تستهدف الدول الخليجية لتجعلها - من خلال هذه الهجمات - بين خيارين أما أن تضغط على أمريكا وإسرائيل لوقف الحرب، أو أن تنجرّ إلى هذه الحرب المدمرة وتشارك بها؛ فتحدث الفوضى الشاملة، التي لا ينجو منها أحد.
وهذا يؤكد أن إيران لم تستطع بعد أن تتخلص من عقلية الثورة الخمينية ما جعلها تفوت فرصتها التاريخية بأن تكون واحدة من أهم دول المنطقة، بحسن الجوار، والتعاون الإقليمي، وحماية المنطقة وتجنيبها المغامرات الحمقاء، وتعزيز العلاقات مع الدول العربية، وبالذات الخليجية التي لازالت تتعامل مع هذه الحرب المجنونة بكل حنكة سياسة وضبط نفس رغم العدوان الإيراني المتكرر.

