في خضمّ ما يشهده عالمُنا من حروبٍ ونزاعات في مختلفِ قاراتِه، وجدتْ جزيرةُ غرينلاند القطبية ثغرةً نفذتْ منهَا إلى السطح ثانيةً، وحازتْ فجأةً موقعاً متقدماً في عناوين نشرات الأخبار قرب نهاية الأسبوع الماضي.
الغيابُ من عناوين النَّشرات الإخبارية الدولية، لا يعني الغياب من دائرة الاهتمام الأميركي في البيت الأبيض. حيث اتَّضح مؤخراً أنَّ مشروع الاستحواذ على الجزيرة القطبية الغنيَّة بالمعادن، التابعة للدنمارك، يجري على قدمين وساقين، وربَّما أكثر، لكن من وراء حجاب!
الأخبار القادمة من مملكة الدنمارك قليلة في الغالب، إن لم تكن نادرة. فالبلد الإسكندنافي رغم ثروته النفطية لا يشغل في العادة حيزاً مثيراً للاهتمام إعلامياً، وكأنَّ بُعده الجغرافي وصغر مساحته وضآلة عدد سكانه وانشغاله بأموره تحول بينه وبين التورط في نزاعات دولية. هذا، في الوقت نفسه، لا يعني أنَّ الدنمارك في مأمن من الأطماع.
الدنمارك الآن يجد نفسه متورطاً في نزاع مع أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم؛ أميركا تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب، الذي سبق أن أعلن صراحة أن لا شيء يحول بين بلاده وبين الاستحواذ على الجزيرة القطبية غرينلاند، ولو اضطر للجوء إلى استخدام القوة!
الأخبار القادمة من كوبنهاغن العاصمة تقول إنَّ السلطات الأمنية في الدنمارك رصدت ثلاثة أشخاص يحملون الجنسية الأميركية، وعلى صلة بالبيت الأبيض والرئيس ترمب، يقومون بحملات تجنيد ودعاية بين السكان لصالح مشروع الرئيس ترمب بالاستحواذ على الجزيرة. الأجهزة الأمنية الدنماركية تسلمت تقارير من ثمانية مسؤولين حكوميين دنماركيين عن الأميركيين الثلاثة ونشاطاتهم المعادية للبلاد. وأفادت بأنهم يقومون بتجنيد السكان لصالح حزب سياسي ترعاه واشنطن يطالب بالاستقلال عن الدنمارك. الهدف المقصود من ذلك هو تحشيد التأييد للحزب بين السكان المحليين بأمل الانفصال عن الدنمارك، وبذلك تتاح فرصة ضم الجزيرة لأميركا، وأنهم - وفقاً للتقارير الإعلامية - استغلوا الغضب الشعبي بين السكان الناجم مؤخراً عن ظهور فضيحة تتعلق بعدد 4.500 امرأة من السكان المحليين، تعرضن لتركيب أجهزة طبية لمنع الحمل من دون علمهن أو موافقتهن، بهدف خفض عدد المواليد. الفضيحة تلك حدثت في الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، ولم يكشف النقاب عنها إلا مؤخراً. الحكومة الدنماركية أصدرت بياناً بأسفها على ما حدث. والتقارير الإعلامية لم توضح السياق الذي ظهرت فيه الفضيحة الآن، ومن كان وراء الكشف عنها.
المسؤولون الدنماركيون على أعلى مستوى أبدوا انزعاجهم واستياءهم من النشاطات الأميركية في الجزيرة، كما عبّروا عن استغرابهم من حدوثها من جانب دولة حليفة. وقام وزير الخارجية الدنماركي باستدعاء القائم بالأعمال الأميركي بمقر الوزارة وأبلغه احتجاج بلاده على تلك النشاطات غير المشروعة.
وزارة الخارجية الأميركية التزمت الصمت، وكذلك فعل البيت الأبيض.
تقارير الأجهزة الأمنية الدنماركية حرصت على الإشارة إلى عدم توافر أدلة تثبت وجود علاقة بين نشاطات الأميركيين الثلاثة والأجهزة الأمنية الأميركية. ولا تستطيع التأكيد، في الوقت نفسه، إن كانت تحركاتهم بدواع ودوافع شخصية أو بإيعاز من البيت الأبيض. علماً بأن استبيانًا للرأي العام بين سكان الجزيرة في شهر مايو (أيار) الماضي أبان أن نحو 85 في المائة من السكان يرفضون ضم الجزيرة لأميركا، وفق التقارير الإعلامية. رئيس وزراء الحكومة المحلية بالجزيرة عدّ الأمر تدخلاً أجنبياً غير مقبول.
ما ذُكر أعلاه، يوضح أن الرئيس ترمب، رغم انشغالاته العديدة، ما يزال سائراً على الطريق الذي اختطّه، قبل وصوله إلى البيت الأبيض. وأن تجربة الشهور القليلة الماضية في البيت الأبيض، أبانت بوضوح للجميع أنّه حريص على الإيفاء بكل وعوده لأنصاره وللناخبين الأميركيين. وأن حكومة الدنمارك من المحتمل جداً أن تجد نفسها قريباً متورطة في مواجهة على أعلى المستويات مع الرئيس ترمب. وأن حرصها على الاحتفاظ بالجزيرة ربما يتبدد ويتلاشى في المقبل من الأيام، خاصة بعدما أوقف الرئيس ترمب في أميركا مشروعين للتوربينات الهوائية لتزويد الكهرباء في ولايتين أميركيتين في المرحلة الأخيرة منهما، تنفذهما شركة دنماركية متخصصة.