منذ توقيع «اتفاقية بكين» مارس (آذار) 2023، بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، شهدتِ العلاقات بين البلدين تطوراً ملحوظاً، وعملاً من أجل تنظيم الخلافات، بهدف خفض التوتر في منطقة الخليج العربي، وجعل الحوار الشفاف هو الطريق نحو بناء علاقات حسنة ودائمة.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفي حوار موسع مع «الشرق الأوسط» أجراه الصحافي عبد الهادي حبتور، بتاريخ 26 أغسطس (آب)، وصف العلاقات الثنائية بين الرياض وطهران بأنها «تشهد مرحلة غير مسبوقة من التعاون» مضيفاً أن السعودية «دولة كبرى في المنطقة والعالم الإسلامي، وهي مع إيران قطبان مهمان في المنطقة». هذا التوصيف بحد ذاته يعكس إدراكاً إيرانياً لأهمية الرياض، ليس فقط بوصفها مركز الثقل العربي والإسلامي، وأرض الحرمين الشريفين، وإنَّما أيضاً بوصفها لاعباً دولياً في سوق الطاقة ومجالات الاستثمار، وفاعلاً دبلوماسياً استطاع أن يحشدَ رأياً عاماً يؤيد «حل الدولتين»، والاعتراف بالدولة الفلسطينية من دول رئيسة أعلنت استعدادها لذلك، منها فرنسا والمملكة المتحدة.
خلال العام الماضي، كما أشار عراقجي، عُقدت ثلاثة لقاءات جمعته مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، واصفاً الأمر بأنَّه «غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين». هذه اللقاءات، إلى جانب الموقف السعودي الصَّريح المندد بالهجوم الإسرائيلي ضد إيران، الذي وصفه الوزير الإيراني بأنَّه «موقف ممتاز وقوي»، كل ذلك يعكس مساراً تراكمياً في مسار التقارب الثنائي، ويثبت أنَّ الرياض جادةٌ في هذا النهج، وأنَّها إذا وجدت من طهران الجدية والالتزام ذاتهما، فإنَّها ستواصل هذا الانفتاح بثبات، لأنَّه يمثل رؤية استراتيجية سعودية تروم من خلالها خفض التوتر في الشرق الأوسط، لتستطيع تحقيق أهداف «رؤية المملكة 2030».
إلى جانب السياسة، هناك خطوات عملية ملموسة، مثل عودة الحجاج والمعتمرين الإيرانيين بأعداد كبيرة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو مؤشر على استعادة الزخم في الجانب الاجتماعي - الديني، لأنَّ السعودية لديها مبدأ واضح، يرتكز على الفصل بين الجانبين، الديني والسياسي، وأنَّ خدمة ضيوف بيت الله الحرام واجبٌ تجاه جميع المسلمين دون استثناء.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لفتَ إلى أنَّ السعودية استمرت في استقبال الحجاج الإيرانيين «حتى خلال فترة الحرب» مؤكداً أنَّ أكثر من 80 ألف حاج إيراني أدُّوا المناسك هذا العام، مع توقع أن يبلغَ عدد المعتمرين نحو 400 ألف. هذا النهج يعكس التزام الرياض بقيمها الأخلاقية العليا التي هي إحدى الركائز الأساسية لدبلوماسيتها، وإصرارها على عدم إقحام شعيرتَي الحج والعمرة في الخلافات السياسية.
لكن في مقابل هذه الإيجابيات، لا يزال هناك عدم تقدمٍ واضح في عدد من القضايا. فالباب الاقتصادي، كما يعترف عراقجي نفسه، «لم يُفتح بشكل كافٍ حتى الآن» رغم تأكيده أنَّ التبادل التجاري يمكن أن يصلَ إلى مستويات كبيرة. كذلك، فإنَّ الخلاف حول ملفات إقليمية، مثل اليمن ولبنان وسوريا لا يزال قائماً. فحين يقول عراقجي إن «نزع سلاح حزب الله خطة إسرائيلية مائة في المائة» فهو يضع حدوداً واضحة لأي توافق سعودي - إيراني بشأن الاستقرار في لبنان، ويُبقي الخلاف قائماً حول طبيعة دور الميليشيات في الدولة، حيث تصر المملكة على حصرية السلاح لدى الجيش اللبناني!
إضافة إلى ذلك، فإنَّ السياسة الإيرانية ما زالت تحمل تناقضاً بين خطابها الرسمي، الداعي إلى الاستقرار، مثل تأكيد عراقجي أنَّ «إيران تدعو للسلام والهدوء في الخليج، وتريد أن تكون الملاحة حرة للجميع»، وبين ممارسات عسكرية أو تصريحات متشدّدة تصدر عن قيادات أخرى، وتثير قلق الجوار الخليجي.
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ورغم مستويات العلاقة غير الثابتة بين الرياض وطهران، فإن المملكة سعت إلى التعامل بواقعية ومرونة مع جارتها الشرقية، حتى إبان الحرب العراقية - الإيرانية، عملت السعودية على وقفها منذ البداية، قبل أن تنجح أخيراً في إنضاج اتفاق بين البلدين في مفاوضات سرية كان للرياض دور مهم جداً فيها بعيداً عن الإعلام.
لقد كانت المعضلة التي واجهت السياسيين السعوديين عند زيارتهم إيران، أو لقاء المسؤولين الإيرانيين، أنَّ هناك خطابين، الأول دبلوماسي عقلاني، إنَّما فاقد للقوة والفاعلية بشكل كبير، والآخر ثوري غير ودي، إنَّما لديه عناصر التأثير السلبي والعمل على تقويض أي تقارب. ولذا، تأثرت الثقة بشكل واضح.
المراقب للسياسة السعودية، يجدها تسير بحذرٍ وواقعية، وإنَّما دون استعجال ودون تردد، نحو بناء الثقة خطوة بخطوة، لتكون العلاقات مع إيران أساسها الاحترام المتبادل وتوازن المصالح، بعيداً عن منطق المحاور الطائفية أو الاستقطابات الحادة.
استمرار هذه الدينامية يحتاج إلى خطوات إيرانية ملموسة، وأبرزها: التهدئة الإقليمية، حيث على طهران أن تُظهر التزاماً عملياً بخفض التصعيد، خصوصاً في لبنان واليمن، بما يخفف من عبء الأزمات الإنسانية والسياسية. وثانياً، بناء الثقة الأمنية، من خلال العمل على ضمان أمن الملاحة البحرية، وعدم استهداف دول الخليج العربي بـ«الخلايا النائمة» أو ضرب مصالح محلية أو أجنبية على الأراضي العربية. يضاف لذلك، إصلاح الخطاب السياسي للمؤسسات الإيرانية الرسمية، وتحديداً تصريحات قيادات «الحرس الثوري»، مما يجعل الخطاب متسقاً وغير مزدوجٍ في رسائله.
رغم أهمية حوار الوزير عباس عراقجي، لصحيفة «الشرق الأوسط»، وإيجابية كثير من النقاط التي طرحها، فإنَّه يمكن القول إنَّ العلاقات بين الرياض وطهران تمرّ اليوم بمرحلة «اختبار النوايا». فإذا استطاعت إيران أن تُترجم أقوالها إلى أفعال، فإنَّ التعاون بين «القطبين الكبيرين»، كما وصفهما عراقجي، يمكن أن يفتح الباب أمام استقرار إقليمي غير مسبوق. أمَّا إذا ظلّت التناقضات قائمة، والمواجهة عبر الوكلاء مستمرة، فإنَّ مسار الثقة قد يتعثر، ويحلُ الجمودُ مكان التقدمِ.