: آخر تحديث

تضليل أنيس فريحة في موضوع رسالته للدكتوراه

5
5
4

وقعَ في المقالِ السَّابق خطأ في صياغةِ معلومةٍ أوردتها فيه. وهأنذا أعيدُ صوغَها على النَّحو الصحيح.

المعلومة التي أردت الإخبارَ بها في المقال السابق هي أنَّ عمر فروخ في كتابه الذي اشترك معه في تأليفه مصطفى الخالدي، وهو كتاب «التبشير والاستعمار في البلاد العربية»، الصادر عام 1953، سمى أنيس فريحة باسمه الشهير: أنيس فريحة. وفي كتابه «شاعران معاصران... إبراهيم طوقان وأبو القاسم الشابي» الصادر عام 1054، وكتابه «الفصحى القومية» الصادر عام 1961، سماه أنيس الخوري فريحة!

تبع عمر فروخ في استعمال هذا الاسم الثلاثي لأنيس فريحة، أنور الجندي في أكثر من كتاب له. وتبع أنور الجندي في استعمال هذا الاسم الثلاثي، تلميذه في طريقة الكتابة الإسلامية، سيد بن حسين العفّاني في كتابه «أعلام وأقزام في ميزان الإسلام». وممن تبع عمر فروخ في إطلاق اسم ثلاثي على أنيس فريحة، دارسان لغویان هما: عبد العلي الودغيري في كتابه «لغة الأمة ولغة الأم»، ومحمد راجي الزغلول في كتابه «دراسات في اللسانيات العربية الاجتماعية». وأقدم هؤلاء في احتذاء عمر فروخ في إضفاء لقب الخوري على اسم أنيس فريحة، هو عثمان صبري في كتابه «نحو أبجدية جديدة» الصادر عام 1964، رغم أنه في هذا الكتاب مثله مثل أنيس فريحة ومثل من سبقه في لبنان وفي مصر يدعو إلى استبدال الأحرف اللاتينية بالأحرف العربية، ويدعو إلى استعمال اللهجة العامية في الكتابة، والتخلي عن استعمال اللغة الفصيحة.

ويظهر لي أنه قد خفي عليه غرض عمر فروخ من إضفاء لقب الخوري على اسم أنيس فريحة.

عثمان صبري هذا مصري، درس القانون في مصر وفي فرنسا، وعمل في سلك القضاء. أقول بهذه المعلومة عنه لأني رأيت البعض، ومنهم الذكاء الاصطناعي، يخلطون بين اسمه واسم المناضل القومي والأديب واللغوي الكردي عثمان صبري، التركي الميلاد واللاجئ لأكثر من بلد عربي، وسوريا كانت من أبرزها فهي البلد الذي أقام فيه مدة طويلة.

فلقد رأيتهم ينسبون بعض مؤلفات المصري عثمان صبري كـ«نحو أبجدية جديدة»، و«شباننا في أوروبا»، و«بيت سري» إلى الكردي عثمان رمزي أو أوصمان رمزي، هكذا اسمه عند الكرد وعند الترك.

مردُّ هذا الخلط إلى تطابق اسميهما، وإلى أن الكردي عثمان رمزي رائد في صنع الأبجدية اللاتينية الكردية، وإلى أن الأخير اسمه مخدوم إعلامياً باللغة العربية عند الكرد، وعند بعض الإسلاميين العرب، رغم أن مؤلفاته هي باللغة الكردية.

نعود إلى تتبع إلياس قطار في تعريفه بأنيس فريحة في الجزء الأول من كتابه «مؤرخون من لبنان». يقول إلياس قطار: «وعلّم في جامعة فرانكفورت في ألمانيا وفي جامعة كاليفورنيا وفي النجف في عام 1938 لمدة سنتين». قد يسأل قارئ هذه المعلومة إلياس قطار لو لقيه: لماذا أنيس فريحة بعد أن علّم في جامعة فرانكفورت، وبعد أن علّم في جامعة كاليفورنيا – لوس أنجليس ذهب إلى النجف الأشرف ليعلم فيه؟!

وقد يتبع سؤاله هذا بسؤال آخر: هل في عام 1938 جامعة في النجف الأشرف ليعلّم فيها؟! سأتطوع برفع اللبس عن هذه المعلومة التي أوردها إلياس قطار بتعريفه بأنيس فريحة.

أنيس فريحة بعد أن حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة شيكاغو درّس اللغة العربية واللغة السريانية بمعهد الدراسات الشرقية في هذه الجامعة، وقبل أن يجدد عقده للسنة الثالثة في التدريس بهذا المعهد اضطر ألا يجدده ويعود إلى لبنان، لسبب شرحه في سيرته الذاتية «قبل أن أنسى».

وبعد عودته إلى لبنان عرف أن الحالة المالية للجامعة الأميركية - كما قال - لا تزال على حالها. ومن حسن طالعه أنه التقى مصادفة في مطعم فيصل، صديقه ورفيق دراسته في الجامعة الأميركية فاضل الجمالي مدير التربية الوطنية في العراق، فأخبره بأنه يزور لبنان للتعاقد مع أساتذة. ولتحفيزه للقبول في التعليم بالعراق أخبره بأنهم يدفعون لحامل الدكتوراه 36 ديناراً، وبأن المعيشة رخيصة جداً في العراق.

نية الجمالي ونيته بأن يدرّس في بغداد لكنه بناءً على نصيحة أحد معلمين لبنانيين ثلاثة التقاهم في فندق مود ببغداد، اختار التدريس في النجف لا في بغداد. في النجف كان يدرّس في مدرسة ثانوية اللغة الإنجليزية. وقد اضطر أن يترك التدريس في النجف مع أن مرتبه المالي كان مجزياً لقرار من الحكومة يقضي بترحيل الأجانب إلى ديارهم لكيلا يصيبهم مكروه بسبب ثورة رشيد عالي الكيلاني.

أما تدريسه في جامعة فرانكفورت بألمانيا، فقد جاء بعد سنوات طويلة من تدريسه في ثانوية بالنجف؛ فقد أذنت له جامعته، الجامعة الأميركية بالتدريس في جامعة فرانكفورت لمدة نصف سنة.

في سيرته «قبل أن أنسى» لم يذكر تاريخ تدريسه في هذه الجامعة، لكني عثرت على خبر في مجلة لبنانية عام 1963، يفيد بعودته من فرانكفورت إلى لبنان. وبعد مضي وقت قصير سنحت له فرصة بأن يكون أستاذاً زائراً في جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس لبعض الوقت.

أنيس فريحة في سيرته الذاتية «قبل أن أنسى» أشار إلى سوء الأحوال المالية في الجامعة الأميركية مرتين: الأولى، بعد حصوله على شهادة الماجستير. والأخرى بعد حصوله على شهادة الدكتوراه، لكنه لم يذكر سبب ذلك. السبب كان هو سنوات الكساد الكبير الممتدة من عام 1929 إلى عام 1939؛ فالجامعة الأميركية ببيروت تعتمد على التبرعات المالية التي تردها من أميركا. وكان الكساد الكبير أو العظيم بدأ من أميركا، ثم شمل اقتصادات عديدة في العالم. ذكر إلياس قطار أن موضوع أطروحة أنيس فريحة للدكتوراه، هو «الجذور الرباعية في الساميات».

هذه المعلومة استمدها إلياس قطار من قول أنيس فريحة في سيرته الذاتية عن أطروحته للدكتوراه: «وكان من الصعب جداً طبعها في أميركا. ووعدني - يقصد المشرف عليها أستاذه بوبل - بأنه سيعمل جهده على طبعها وعنوان الأطروحة: (Quadriliterals in Semitic Languages)».

وقد أضاف أنيس فريحة إلى قوله هذا قولاً ثانياً يتضارب مع قوله الأول، وهو قوله: «ولكني لم أهتم كثيراً بطبعها؛ لأن قراءها يعدون على أصابع اليدين، ولا تزال منها نسخة في مكتبة جامعة شيكاغو».

ما قاله أنيس فريحة ليس دقيقاً؛ فرسالته أو أطروحته للدكتوراه - بحسب سجله الجامعي في الجامعة الأميركية - مطبوعة في جامعة شيكاغو عام 1938، وعنوانها باللغة الإنجليزية مخالف للعنوان الذي ذكره هو بهذه اللغة في سيرته الذاتية، والذي ترجمه إلياس قطار إلى اللغة العربية بـ «الجذور الرباعية في الساميات».

إن عنوانها في الكتاب الذي طبعته جامعة شيكاغو بعد ترجمته إلى اللغة العربية هو «أفعال رباعية من لهجة رأس المتن بلبنان». هذا هو العنوان الصحيح لموضوع رسالته، وليس العنوان العريض ذا الموضوع الواسع والشاسع الذي ادعاه في سيرته الذاتية، وهو موضوع «الجذور الرباعية في اللغات السامية»؛ فموضوع رسالته كما تقدم، موضوع بسيط ومحدود النطاق في لهجة قريته، قرية رأس المتن بقضاء بعبدا.

أحمد عبد المجيد هريدي في كتابه «نشوء الفعل الرباعي في اللغة العربية» رجع إلى هذه الرسالة المطبوعة في كتاب باللغة الإنجليزية، وقد قال عن صاحبها وعنها في ص92 وص93 من كتابه. «وفي عام 1935م قدم أنيس فريحة رسالته – باللغة الإنجليزية – لنيل درجة الدكتوراه في جامعة شيكاغو وعنوانها «أفعال رباعية من لهجة رأس المتن (لبنان)»، ثم نشر مقالة لخص فيها أفكاره الواردة في رسالته، ونُشرت بالقاهرة 1937 قبل طبع الرسالة في طبعة خاصة سنة 1938».

وفي هامشين في ص93 من كتابه ذكر بيانات نشر طبع الرسالة باللغة الإنجليزية في طبعة خاصة، وبيانات نشر المقالة المنشورة في القاهرة. بيانات نشر المقالة، كما أوردها في الهامش الثاني، هي:

د. أنیس فريحة، حول العامية: الفعل الرباعي أصله ونشوء معانيه، مجلة المقتطف، المجلد 91، العدد 2 يوليو 1937، ص 185–191. وقد استرعى انتباهي في بيانات نشر طبع الرسالة باللغة الإنجليزية في الهامش الثاني، ما كتب في خانة اسم المؤلف؛ فلقد كتب في هذه الخانة ما يلي: Frayha, A.K. حرف «A» يرمز إلى اسمه الأول أنيس. وحرف «K» يرمز إلى اسمه الثاني، فسألت نفسي هل يرمز هذا الحرف إلى اسم خوري؟!

ولكي أستيقن أن حرف «K» يرمز إلى رسم خوري رحت أطالع في بيانات النشر في المصادر غير العربية في الكتاب، فوجدت في خانة اسم المؤلف في رسالة أنيس فريحة للدكتوراه مكتوباً فيه ما يلي:

Frayha, Anis Khuri؛ أي أن في الرسالة كان اسمه أنيس الخوري فريحة!

الدكتور أحمد عبد المجيد هريدي في متن كتابه لم يستعمل هذا الاسم: أنيس الخوري فريحة، بل كان يستعمل فيه اسمه الثنائي: أنيس فريحة، وذلك اعتماداً على الاسم الثنائي الذي يستعمله أنيس فريحة في مؤلفاته وفي مقالاته باللغة العربية؛ فالدكتور هريدي في عرضه لآراء واجتهادات أنيس فريحة ومناقشتها، رجع – إضافة إلى رسالته للدكتوراه باللغة الإنجليزية – إلى كتابه «تبسيط قواعد العربية وتبويبها على أساس منطقي جديد» الصادر عام 1952، وإلى مقالته المشار إلى عنوانها آنفاً.

في السجل الجامعي لأنيس فريحة في السطر الذي أشير إلى رسالته للدكتوراه، اكتُفي بذكر اسمه الأخير: Frayha، ورُمز إلى اسمه الأول بحرف «A»، وغيب الرمز لاسمه الثاني بحرف «K»!

عمر فروخ حين بدأ في استعمال اسم ثلاثي لأنيس فريحة، ابتداءً من كتابه «شاعران معاصران، إبراهيم طوقان وأبو القاسم الشابي» لم يشر إلى أن زميله اللدود أنيس فريحة استعمل اسم الخوري في اسمه في رسالته للدكتوراه، وهذا معناه أنه لم يطلع عليها. وما يؤكد هذا الاستنتاج هو أنه في مطارحاته النقدية مع آراء أنيس فريحة اللغوية، لم يتطرق إلى ما جاء في رسالته للدكتوراه باللغة الإنجليزية.

والراجح أن عمر فروخ استعمل اسماً ثلاثياً لأنيس فريحة؛ لأن الأخير كان يستعمل اسم أنيس الخوري فريحة في سنوات دراسته الجامعية في مرحلة البكالوريوس في الجامعة الأميركية، لكن يبقى سؤال، وهو: لماذا استعمل عمر فروخ في كتاب «التبشير والاستعمار» اسم أنيس فريحة ولم يستعمل اسم أنيس الخوري فريحة؟!

وثمة سؤالان يتعلقان بصدق ما قاله أنيس فريحة في سيرته الذاتية عن رسالته للدكتوراه، هما: هل يجهل أنيس فريحة أن المشرف على رسالته أعمل جهده من أجل أن تطبع رسالته، فطُبعت في جامعة شيكاغو عام 1938؟!

وهل نسي أنه لخص موضوع رسالته في مقالة، نُشرت في مجلة المقتطف عام 1937؟!

وللحديث بقية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد