عبدالله الزازان
أنتجت جمعية التنمية الأهلية بمدينة حرمة فيلمًا وثائقيًا عن مدينة حرمة، يوثقها تاريخيًا وحضاريًا وإنسانيًا، يمزج التاريخ بالحداثة، وينقل صورة حقيقية لروح المدينة والتغيرات التي حدثت فيها. الفيلم مبادرة نوعية تحسب لرئيس الجمعية عبدالكريم بن سعود العبدالكريم، والذي أحدث تحولًا نوعيًا في مدينة حرمة بفضل مبادراته المجتمعية التي يحاول من خلالها تحويلها إلى بيئة جاذبة نابضة بالحياة، بلمسات عصرية، يمتزج فيها الجمال الظاهري، بسحر الطبيعة، حيث تبهرك المدينة التاريخية بجمالها الطبيعي، المكون من تقاطعات جغرافية، تتشكل من الأودية والشعاب وتموجات التلال والمنحدرات. مناظر طبيعية ساحرة، فعندما تقف على قمة منحدر الصعيدا الذي يطل على المدينة من جهة الشمال والغرب ترى أجمل المناظر الطبيعية، حقول النخيل المتشابكة، والتلال، والأودية والشعاب، والمداريج. وفي غرب المدينة التاريخية يبدو لك مسجد السليمية وقصر مشرف الأثري كتحفة فنية معمارية رائعة، وفي جنوب المدينة يقع الجامع التاريخي، الذي بني على الطراز المعماري النجدي، ويعد من المعالم التاريخية في المدينة، حيث يطل على ميدان (مجلس العقدة) الذي تحيط به حديقة الزهور، والمساحات المفتوحة، وممرات المشاة التي أحالته إلى ميدان بديع وجذاب، وعلى مقربة منه مسجد عسيلة، الذي يعكس روعة البناء النجدي. في وسط المدينة يقع مجلس القويرة، وقد تم تأهيله لاستضافة الفعاليات الثقافية، والعروض الأدائية، فقد كان هذا الميدان شاهدًا على الحركة الأدبية التي اجتاحت المدينة في الثلاثينيات الميلادية، وكان موقع الاحتفالات الرئيس فيها. يشد انتباهك وأنت مار بالشارع الرئيس الذي يمثل نقطة الارتكاز في المدينة، بوابة «باب البر» المطرزة بالنقوش والزخارف، وتقع ضمن سور المدينة القديم، ومسجد باب البر التاريخي، وواجهات المباني التي توحي بفن معماري أنيق، والحدائق والمتنزهات التي أكسبت الشارع جمالًا. تمثل مدينة حرمة التاريخية اليوم مقصدًا ثقافيًا وسياحيًا جذابًا، حيث تصدرت قائمة الجهات الأكثر زيارة للمدن التاريخية في المنطقة، بعد أن عادت الحياة إلى المدينة، وأصبحت من أكثر المدن التاريخية استقبالًا للزائرين إلا أنها تفتقر إلى الأنسنة، ورفع مستوى جودة الحياة، وذلك بإيجاد منطقة للمطاعم والمقاهي وسط المدينة، أو أماكن ومنافذ للوجبات السريعة كشاحنات الطعام المتنقلة (food tracks)، والمطاعم الافتراضية، ومطاعم الشوارع (street food)، والأكشاك، والمأكولات الشعبية، والمقاهي المحلية، ومحلات التموين، لتكون مدينة متكاملة، مكتفية ذاتيًا، بعد أن خرجت من إطار القرية العادية التقليدية، وأصبحت مدينة نموذجية، ومقصدًا للزيارات السياحية والثقافية. يرى المهندس الفرنسي بيارفاغو أن إعادة الإعمار ليست عملية معزولة، بل تأتي في سياق نظرة شاملة لإنشاء محيط يلبي حاجات الإنسان ويستجيب لمتطلباته ضمن تخطيط إستراتيجي، ورؤية معمارية متكاملة هندسيًا وفكريًا وثقافيًا وحضاريًا وإنسانيًا، لا تتوقف عند الترميم بل تتجاوزه إلى صناعة الحياة، وإعادة بناء الإنسان ليكون قادرًا على تحويل المدينة إلى قيمة حضارية وإنسانية. فإعادة الإعمار عملية فكرية وثقافية تهدف إلى إعادة الذاكرة التاريخية وتوظيف التراث لتعزيز الهوية الثقافية. وهنا يردنا تساؤل: هل إعادة الإعمار تعني إعادة الحياة السابقة كما كانت؟ أو تجديد النسيج الاجتماعي؟ فإعادة الإعمار تخلق جيلًا جديدًا ووعيًا اجتماعيًا جديدًا، جيل يبني المستقبل، وقادر على إعادة تعريف الحياة. لذلك يمثل دخول الجيل الجديد في حرمة إلى معترك إعادة الإعمار تحولًا جذريًا متجاوزًا الأساليب القديمة، إلى تعريف جديد لإعادة الإعمار، ومحاولة قيادة مشروعات تراثية بعقلية مستقبلية. فالتداخل مع التراث، يدل على توجه مستقبلي، خلافًا للظن المتبادر أنه رجعة لزمن قديم، فالرجوع في الزمن مستحيل. المبادرات في هذه المدينة كثيرة ومتعددة وجمعية التراث إحدى تلك المبادرات، وهي امتداد لمبادرات قام بها كل من عبدالله بن عبدالرحمن العقيل، وعبدالكريم بن محمد التركي، ويبدو أن جهد عبدالكريم بن محمد العقيل وفريقه من خلال جمعية التراث جاء استكمالا لتك الأدوار والمبادرات، لتأهيل المواقع التراثية من خلال الدعم الفني والمالي، لتكون مراكز سياحية وثقافية، وتحويل المواقع من عناصر مهجورة إلى نقاط تنمية اقتصادية وتراثية فاعلة. يمثل دخول الجيل الجديد إلى المعترك تحولًا جذريًا متجاوزًا الأساليب القديمة، إلى تعريف جديد لإعادة الإعمار، ومحاولة قيادة مشروعات تراثية بعقلية مستقبلية.حرمة التاريخية وصل المدينة بالزمن
مواضيع ذات صلة

