: آخر تحديث

مسؤوليَّة الجامعات في تعزيز القيم والوعي الفكري

5
5
5

تغريد إبراهيم الطاسان

لا يخفى أن المرحلة الجامعية تمثل مرحلة مفصلية في حياة الطالب، فهي الجسر الذي يعبر به من مقاعد التعليم العام إلى رحاب المسؤولية الفكرية والاجتماعية والمهنية.

وهنا تتجاوز الجامعة دورها التقليدي في التدريس لتغدو مؤسسة لصياغة الشخصية، وتعزيز القيم، وتحصين العقول ضد الانحرافات الفكرية أو السلوكية. فالمعرفة بلا وعي تتحول إلى أداة ناقصة، بل قد تكون خطراً حين يغيب عنها البعد القيمي والإنساني.

من هذا المنطلق، جاء مؤتمر «مسؤولية الجامعات في تعزيز القيم والوعي الفكري» الذي نظمته جامعة أم القرى برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - ليؤكد أن الدور الملقى على عاتق الجامعات السعودية لا يقتصر على التعليم الأكاديمي، بل يتسع ليشمل بناء منظومة وعي فكري راسخ، يتماشى مع رؤية المملكة 2030.

الطالب الجامعي يعيش في مرحلة تتشكل فيها ملامح وعيه السياسي والاجتماعي والفكري، ويعيد خلالها بناء منظومة قيمه بما يتوافق مع واقعه الجديد.

وهنا تصبح البيئة الجامعية مسؤولة عن توفير مناخ يوازن بين الانفتاح المعرفي والانضباط القيمي. فالجامعة ليست مجرد قاعات محاضرات، بل فضاء للحوار والتفكير الحر، وصوت للعقل النقدي المسؤول الذي يفرّق بين حرية التعبير والانفلات الفكري.

من أبرز ما شهده المؤتمر تدشين منصتَي «مستشارك» و»وعي». الأولى وُجهت لتقديم استشارات مجانية في مجالات تربوية واجتماعية وصحية ونفسية بسرية تامة عبر خبراء وأكاديميين، مما يعكس إدراك الجامعات لاحتياجات الطلبة المتعددة.

أما منصة «وعي» فجاءت لتكون أداة استباقية لرصد المخالفات الفكرية والسلوكيات المتطرفة، بما يسهم في وقاية البيئة الجامعية من الانحرافات، وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال التي تشكل أساس الهوية السعودية.

هذه المبادرات ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي إعلان عملي عن أن الجامعات قادرة على التحول من مؤسسات تعليمية إلى مراكز وعي مجتمعي تسهم في تحصين الوطن كله، لا طلابها فحسب.

وفي هذا السياق يبقى السؤال الأبرز:

هل ما تزال جامعاتنا تقوم بدورها كاملاً في هذا الميدان؟

الواقع يشير إلى جهود متنامية، تشمل تجارب الجامعات، من مواجهة التحديات الفكرية، واستشراف المستقبل. إلا أن حجم التحديات المتسارعة - من الانفتاح الرقمي إلى العولمة الفكرية - يفرض على الجامعات مضاعفة الجهد، والانتقال من المبادرات الجزئية إلى استراتيجية وطنية متكاملة، تُبنى فيها الشراكات بين الجامعات والقطاعات التعليمية والأمنية والثقافية والإعلامية.

فالمسؤولية لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لضمان أن يظل الطالب الجامعي حصناً منيعاً ضد الانجراف خلف أفكار دخيلة، وأن يكون لبنة صالحة في بناء وطنه.

الجامعات السعودية أمام فرصة تاريخية في ضوء رؤية 2030، حيث تتسع دوائر الإصلاح والتطوير، وتتقدم المعرفة والابتكار لتصبح محركاً رئيساً للاقتصاد والمجتمع. وإذا كان المستقبل يتطلب مهارات علمية وتقنية، فإنه أيضاً يحتاج إلى إنسان مسلح بالقيم، واعٍ بفكره، مدرك لمسؤوليته تجاه وطنه والإنسانية جمعاء.

إن صياغة شخصية الطالب الجامعي لم تعد مسؤولية الأسرة وحدها، ولا المدرسة، بل هي مهمة تشاركية تتصدرها الجامعة، بما تملكه من أدوات التأثير والتوجيه. فحين تُحسن الجامعات القيام بهذا الدور، فهي لا تخرِّج مجرد خريجين يحملون شهادات، بل تصنع مواطنين قادرين على حمل الرسالة الوطنية، وإحداث الفارق في مسيرة التنمية.

في النهاية، تبقى الجامعة هي البيت الأول الذي يحتضن الطالب بعد أسرته، ويُصغي إلى همومه وتطلعاته. فكما أن مسؤوليتها تقوم على ترسيخ القيم وصون الوعي الفكري، فإنها لا تكتمل إلا حين تسمع لصوت الطالب، وتحرص على مصلحته، وتتبنى مطالبه المشروعة في بيئة تعليمية آمنة ومحفزة. عندها فقط يصبح الطالب شريكاً فاعلاً في صناعة مستقبله، وتغدو الجامعة منارة حقيقية للعقل والوعي والنهضة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد