تنافس شرس في معظم المنصات على الأضواء، مدفوعاً بحالة تهافت على محتوى يحقق الانتشار ويجذب المتابعين، وسط سعي محموم لتحويل المشاهدات إلى عوائد مالية مباشرة أو غير مباشرة.. هذا الواقع خلق صناعة متكاملة تُبنى على سرعة الوصول وسهولة التكرار، لكنه أوجد فجوة متزايدة بين ما يُقدّم من مادة للمتلقي وبين ما يضيف قيمة فعلية في الوعي والمعرفة.. المتابع اليوم يجد نفسه أمام سيل متواصل من المقاطع والبرامج التي تُبنى على الجاذبية اللحظية، بينما يقل حضور المحتوى الذي يفتح أفقاً للتفكير أو يحفّز على التعلم..
أرقام هذه الصناعة مذهلة، فالمليارات تتدفق سنوياً نحو الإعلانات الرقمية ومنصات البث ومقدمي الخدمات، فيما يجلس المبدع أو صانع المحتوى أمام معادلة صعبة: هل ينتج مادته وفق متطلبات الخوارزميات وما تفرضه من سرعة وإيقاع، أم يذهب نحو إنتاج يُرسخ أثره على المدى الطويل؟.. الإجابة هنا جوهرية لفهم التحولات التي تقودها صناعة المحتوى عالمياً..
المؤسسات الكبرى التي تستثمر في هذا المجال تنظر إلى الأرقام أولاً، إذ إن العائد المادي المباشر يمثل المعيار الأبرز لقياس النجاح.. ومع ذلك، تتنامى قناعة في بعض الدوائر بأن القيمة الفكرية والمعرفية للمحتوى هي التي تصنع استدامته وتعزز ثقة الجمهور به.. المشهد إذاً لا يتوقف عند المشاهدة، بل يتجاوزها إلى بناء علاقة طويلة المدى مع المتلقي..
الجيل الجديد من المتابعين يميز سريعاً بين محتوى يمنحه إضافة حقيقية ومحتوى يستهلك وقته بلا جدوى.. ومن هنا يظهر التحدي أمام صناع المحتوى الذين يقفون اليوم عند مفترق طرق: إما الانغماس في سباق الأرقام والإعلانات، أو بناء قاعدة متينة تقوم على تقديم مادة ذات قيمة، تُترجم في نهاية المطاف إلى ولاء الجمهور وتقديره..
السؤال المحوري في اقتصاد المحتوى يظل دائراً حول الموازنة بين المال والقيمة.. فالمال ضرورة لاستمرار الإنتاج وتطوير الأدوات والفرق، بينما القيمة هي الضمان لدوام الأثر واستمرار الحضور في ذاكرة المتلقي.. وقد يكون الطريق الأمثل هو الجمع بين الاثنين عبر صياغة نموذج يحترم احتياجات السوق ولا يتخلى عن الرسالة المعرفية، بحيث تتحول المنصات إلى بيئات إنتاج مستدامة قادرة على المنافسة عالمياً..
بهذا، يصبح اقتصاد المحتوى مساحة واسعة للتفكير وإعادة صياغة المعادلات التي تحكم منصات التواصل الاجتماعي، بين من يرى فيه وسيلة لتحقيق الربح المباشر، ومن يتطلع إليه كرافعة للتأثير والإلهام وبناء مجتمعات أكثر وعياً..