: آخر تحديث

المصارف السورية تفقد الثقة!

5
5
5

الأزمة المصرفية في سوريا لا يمكن أن تُختزل في جداول حسابية أو نسب مئوية باردة. هي، في حقيقتها، أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة مال. أزمة مجتمع تآكل يقينه بأن مؤسساته قادرة على حماية مدخراته، وأزمة دولة لم تعد تملك ما يكفي من أدوات الطمأنة لتقول لمواطنيها: إنَّ المصارف، تلك المباني الزجاجية والخرسانية التي تنتصب في قلب المدن، ما زالت الملاذ الآمن لأموالكم ومستقبلكم.

الثقة، في هذا السياق، ليست مصطلحاً اقتصادياً عابراً. إنها إحساس عميق يتخلل تفاصيل الحياة اليومية. فهي حاضرة حين يقف المواطن ساعات في طابور طويل بانتظار سحب مبلغ لا يكفي ثمن جرة غاز، وحين يعجز تاجر عن تحويل قيمة بضاعته لشريكه في الخارج، وحين يُصدّ باب المستشفى في وجه مريض لأن ما يملكه من مال مجمّد في حساب لا يمكن الوصول إليه. المال، في النهاية، ليس أوراقاً نقدية ولا أرقاماً في دفاتر، بل رمز للأمان والكرامة والاستمرارية. وحين ينهار هذا الرمز، ينهار معه المعنى نفسه: يغدو الاقتصاد ساحة عبثية، ويصبح المواطن كائناً هشاً يتأرجح بين صراف آلي معطّل وموظف بيروقراطي مرتبك.

الواجهة العمرانية للمصارف نفسها تكشف حجم المفارقة. تلك المباني التي شُيّدت في سبعينيات القرن الماضي كرموز للحداثة والانضباط، صارت اليوم مرايا متشققة تعكس القلق أكثر مما تعكس الثقة. الأعمدة الخرسانية الصارمة، الشبابيك المظللة، الطوابير الممتدة، والأجهزة القديمة التي تصدر أصواتاً خشنة؛ كلها ملامح لمؤسسات تبدو متماسكة من الخارج لكنها، في عمقها، هشة. المصرف الذي بُني ليكون بيتاً للطمأنينة تحول إلى مكان يثير الريبة ويضاعف الإحباط.

وللتاريخ رواية أخرى. فقد لعبت المصارف العامة دوراً حيوياً في العقود الماضية: موّلت الزراعة في الفرات والجزيرة، وأسندت الصناعة في حلب ودمشق وحمص، وكانت أشبه بذراع مالية قوية للدولة وضمانة نسبية للمجتمع. لكن مع الزمن، أكلت البيروقراطية والفساد من رصيدها، حتى جاءت الحرب والعقوبات الدولية لتفرغها من جوهرها. لم تعد أكثر من قنوات لصرف الرواتب أو نوافذ لسحب مبالغ يومية محدودة، فيما تمددت شركات الصرافة كبديل غير رسمي لكنه أكثر مرونة.

من هنا تتجلى الأزمة بأبعادها الأعمق: إنها ليست مالية فحسب، بل اجتماعية ونفسية أيضاً. المواطن لم يعد يثق بالمصرف لأنه لم يعد يثق بالدولة. التاجر لا يضع أمواله فيه لأنه يخشى القيود والتعطيل. الموظف يرى في التعامل معه عبئاً يومياً لا خدمة. هكذا تتشكل دائرة مغلقة: انعدام الثقة يولّد هروب الودائع، وهروب الودائع يعمّق ضعف السيولة، وضعف السيولة يفضي إلى الطوابير والغضب، والغضب يعيد إنتاج انعدام الثقة.

القصص اليومية تحمل ما هو أبلغ من كل تحليل. رجل يزور المصرف كل صباح ليحصل على ما يكفي بالكاد لشراء دواء، تاجر يوقع عقداً ولا يستطيع تحويل قيمته، مريض ينتظر عملية جراحية بينما رصيده المجمّد خلف شبابيك المصرف لا يُغني عنه شيئاً. هذه التفاصيل الصغيرة تترك ندوباً كبيرة في الذاكرة الجمعية، وتجعل من المصرف رمزاً للخذلان بدل أن يكون عنواناً للحداثة.

الأزمة في جوهرها ليست مسألة تقنية أو إدارية فحسب، بل أزمة هوية اقتصادية. المصارف في سوريا ظلت مرتبطة على الدوام بالقرار السياسي، والمصرف المركزي لم يكن يوماً مؤسسة مستقلة بقدر ما كان أداة لتنفيذ تعليمات عليا. القيود على السحوبات، ضعف السيولة، القرارات المتناقضة حول سعر الصرف، كلها انعكاسات لسياسات فوقية لا ترى في المصرف مؤسسة حديثة بل جهازاً ملحقاً بالبيروقراطية.

هذا الواقع جعل المصارف، في نظر المواطنين، كيانات جامدة بلا روح. غياب البنية التقنية الحديثة، انقطاع التواصل مع النظام المصرفي العالمي، تراجع الكفاءات، كلها عوامل جعلت من أي محاولة إصلاح مجرد مسكّن سريع الزوال. كثير من الموظفين لم يتلقوا تدريباً يواكب الأنظمة المصرفية الحديثة، وكثير من المدراء ما زالوا يفكرون بعقلية التسعينيات، بينما يعيش العالم عصر الهوية الرقمية والتطبيقات الذكية.

في بلد يتحول فيه الهاتف المحمول إلى محفظة مالية، لا يزال المواطن السوري يتعامل مع دفاتر قديمة وطوابع ورقية وأجهزة متهالكة. كيف يمكن لشاب يعيش على تطبيقات الدفع الإلكترونية أن يثق بمصرف لا يملك منصة رقمية فعالة؟ وكيف لمستثمر أن يضع أمواله في مؤسسة عاجزة عن تحويلها خارجياً؟

حتى النكات الساخرة التي يتداولها الناس تحمل دلالة عميقة: "المصرف أكبر صراف آلي معطّل في العالم"، "المصرف مخزن أموال لا يمكن لمسها". هذه الدعابات، وإن بدت خفيفة، تعكس جرحاً في الوعي الجمعي، وتكشف كيف تحوّل المصرف من رمز حداثي إلى رمز للخذلان.

إنَّ استعادة الثقة لا يمكن أن تتم بقرارات فوقية أو إجراءات جزئية. الأمر يحتاج إلى ما هو أعمق: وضوح في السياسات النقدية، شفافية في الخطاب، تدريب وتأهيل لجيل جديد من الكفاءات، وبنية تقنية تدخل المصارف السورية إلى العصر الرقمي. الأهم من ذلك كله: مصارف بواجهات ليست زجاجية فقط، بل شفافة بمعناها الأخلاقي، صادقة مع مواطنيها، قادرة على أن تقول الحقيقة قبل أن تطلب الثقة.

المصارف السورية اليوم أمام مفترق طرق. إما أن تبقى مباني رمادية خاوية، طوابير ممتدة، وأجهزة ميكانيكية تصدر أنينها البائس، أو أن تتحوّل إلى فضاءات جديدة تعيد للمواطن إحساسه بالأمان. فالمصرف، في جوهره، ليس خزنة حديدية ولا آلة للصرف، بل مكان يودع فيه الإنسان مستقبله. وإذا فقد المواطن شعوره بالأمان في هذا المكان، فإن فقدان الأمان سيتسرب إلى تفاصيل حياته كلها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.